hajjahnews

صنعاء.. من القمح إلى استعادة السيادة الغذائية

في لحظة تتقاطع فيها التحديات الاقتصادية مع هواجس الأمن الغذائي، تبرز التحركات الجارية في صنعاء كإشارة فارقة على انتقال الخطاب الرسمي من دائرة التشخيص إلى ميدان الفعل، لم يعد الحديث عن الزراعة مجرد استدعاء موسمي، بل تحول إلى مشروع وطني متكامل يعيد تعريف العلاقة بين الأرض والاقتصاد، ويضع الاكتفاء الذاتي من الحبوب في قلب معادلة الاستقرار والسيادة.

أعده للنشر | طارق الحمامي

من الرؤية إلى التنفيذ

التحول الأبرز في هذه المرحلة يتمثل في الانتقال من سياسات تعتمد على الاستيراد كخيار سهل، إلى بناء منظومة إنتاج محلي قادرة على تقليص الفجوة الغذائية، هذا التوجه لا يحمل بعداً اقتصادياً فحسب، بل يعكس إدراكاً متنامياً بأن الأمن الغذائي هو أحد أعمدة الاستقلال الوطني، وأن أي اختلال فيه يفتح الباب أمام هشاشة سياسية واجتماعية، الاجتماعات الأخيرة وما تمخض عنها من توجهات عملية تكشف عن إرادة حقيقية لتفكيك بنية الاعتماد المزمن على الخارج، عبر استثمار الموارد الزراعية الكامنة في عدد من المحافظات الواعدة، وتحويلها إلى مراكز إنتاج استراتيجية للحبوب، وفي مقدمتها القمح.

“رهان الأرض” .. إعادة توجيه البوصلة الزراعية

أحد أهم أبعاد هذه التحركات يتمثل في إعادة ترتيب أولويات الزراعة، خصوصاً في ما يتعلق بمواجهة التوسع غير المنضبط لزراعة المحاصيل غير الغذائية، وعلى رأسها القات، فالمعادلة الجديدة تسعى إلى إعادة توجيه الموارد المائية والأراضي الخصبة نحو إنتاج الحبوب، بما يحقق توازناً بين العائد الاقتصادي ومتطلبات الأمن الغذائي، هذا التوجه، وإن بدا صعباً ، إلا أنه يمثل خطوة مفصلية لإعادة الاعتبار للزراعة كقطاع إنتاجي استراتيجي، لا مجرد نشاط تقليدي محدود الأثر.

السوق كشريك لا كمنافس

في قراءة أعمق، تكشف الدعوات الموجهة للتجار والمستوردين عن محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين السوق المحلي والإنتاج الوطني، فبدلاً من أن يكون الاستيراد منافساً يجهض أي محاولة للنهوض الزراعي، يجري الدفع نحو نموذج “الشراكة”، حيث يتحول المستورد إلى داعم للإنتاج المحلي من خلال سياسات شراء تحفيزية، هذه المقاربة تعكس فهماً جديداً لدور القطاع الخاص، باعتباره جزءاً من منظومة الأمن الغذائي، لا مجرد فاعل اقتصادي مستقل، وهو ما قد يسهم في خلق توازن صحي بين العرض المحلي والواردات.

التكنولوجيا كمدخل لتقليص الكلفة وتعزيز الجودة

لا يمكن لأي مشروع للاكتفاء الذاتي أن ينجح دون تحديث أدوات الإنتاج، من هنا، يأتي التركيز على إدخال التقنيات الزراعية الحديثة، وعلى رأسها الحصادات والمعدات المتطورة، كخطوة أساسية لتقليل الفاقد، وخفض التكاليف، وتحسين جودة المنتج، هذا البعد التقني لا يقتصر أثره على زيادة الإنتاجية، بل يمتد ليشمل تحسين تنافسية المنتج المحلي في السوق، وهو ما يعد شرطاً حاسماً لاستدامة أي تحول زراعي.

لجنة مشتركة.. عقل تنفيذي للمرحلة

تشكيل لجنة مشتركة ذات طابع عملياتي يمثل مؤشراً على جدية التحرك، إذ يُنتظر أن تتولى هذه اللجنة مهمة ترجمة التوجهات العامة إلى خطط تنفيذية قابلة للتطبيق، تربط بين الإمكانات الطبيعية والسياسات الحكومية، أهمية هذه الخطوة تكمن في أنها تنقل المشروع من مستوى “النوايا” إلى مستوى “الإدارة الفعلية”، وهو ما طالما شكل فجوة في تجارب سابقة.

دلالات اقتصادية وسياسية أعمق

التحركات الجارية تحمل في طياتها جملة من الدلالات،

اقتصادياً .. تقليص فاتورة الاستيراد يعني تخفيف الضغط على العملة الصعبة، وتحسين ميزان المدفوعات، وخلق فرص عمل في الريف.
اجتماعياً .. دعم الزراعة يعزز الاستقرار في المناطق الريفية، ويحد من الهجرة الداخلية.
سيادياً .. تحقيق الاكتفاء الذاتي من الحبوب يعزز قدرة البلاد على مواجهة الأزمات والتقلبات العالمية.

بين الطموح والتحدي

رغم وضوح الرؤية، يبقى التحدي الأكبر في القدرة على التنفيذ المستدام، خاصة في ظل محدودية الموارد، وتعقيدات الواقع الاقتصادي، والحاجة إلى تغيير أنماط زراعية واجتماعية راسخة، لكن ما يميز هذه المرحلة هو أن الرهان لم يعد مؤجلاً، بل أصبح ضرورة ملحة تفرضها الظروف، ما يمنح هذه التحركات زخماً قد يدفعها نحو تحقيق نتائج ملموسة.

نحو معادلة جديدة للأمن الغذائي

ما تشهده صنعاء اليوم ليس مجرد تحرك عابر، بل بداية لإعادة تشكيل بنية الاقتصاد الزراعي في اليمن، إنها محاولة جادة لتحويل الأرض إلى مصدر قوة، ولإعادة الاعتبار للإنتاج المحلي كخيار استراتيجي لا بديل عنه، وفي حال نجحت هذه الجهود في تجاوز عقبات التنفيذ، فإن البلاد قد تكون على أعتاب مرحلة جديدة، يصبح فيها القمح المنتج محلياً ليس مجرد محصول، بل عنواناً لسيادة وطنية تُزرع في الحقول قبل أن تُعلن في السياسات.