hajjahnews

حليف القرآن وباعثُ وعي الأمة

عبدالملك العتاكي

أيها الأحرار، يا أمة الوعي والقرآن..

في زمنٍ تتكالب فيه قوى الاستكبار العالمي لتدجين الأمة وتجريدها من عناصر قوتها وهُويتها الإيمانية، وفي ظل معركة الوعي المستمرة التي نخوضها اليوم ضد الطغيان والوصاية، نعود معكم إلى النبع الصافي، إلى المدرسة التي علّمت الأجيال كيف تصاغ الحرية بالدماء، وكيف يتجسد القرآن منهجاً حركياً في الميدان.

المرجعية الفكرية والروحية لثورة الإمام زيد

حينما نتأمل الركود الذي خيّم على الأمة الإسلامية في أواخر القرن الأول الهجري، وكيف تحوّلت الخلافة إلى ملكٍ عضوض يُستباح فيه الإنسان وتُطمس فيه معالم الدين، ندرك تماماً حجم الفراغ الذي كان ينتظر قائداً يكسر جدار الصمت.

لم تكن ثورة الإمام زيد بن علي (عليه السلام) مجرد ردة فعل عاطفية على ظلم بني أمية، بل كانت ضرورة شرعية وتاريخية نضجت في مدرسة آل البيت صلوات الله عليهم، وتغذت من النبع الصافي لثقافة القرآن الكريم التي أعادت صياغة وعي الأمة وتصحيح مسارها.

وُلد الإمام زيد بن علي في بيت النبوة ومعدن الرسالة، ونشأ في أحضان والده الإمام علي بن الحسين زين العابدين، وتلقى العلم والوعي على يد أخيه الإمام محمد الباقر.

هذا الوسط الإيماني النقي صقل شخصيته القيادية مبكراً، حتى لُقّب بـ حليف القرآن؛ وهو لقب لم يأتِ من فراغ، لقد كان تعبيراً دقيقاً عن حالة الاندماج الكامل بين وعي الإمام وزواجر الكتاب الكريم.

فالقرآن في منهج الإمام زيد هو منهج حركة وجهاد، ودستور ثورة، وسلاح بمواجهة الطغيان.

كان يقول كلمته المدوية التي تختصر هذا المفهوم:

(واللهِ ما يدعني كتابُ الله أن أسكت)

من هنا، تبرز الميزة الأساسية في شخصية الإمام زيد القيادية، وهي البصيرة.

لقد أدرك أن أزمة الأمة في زمن هشام بن عبد الملك لم تكن أزمة اقتصادية أو سياسية فحسب، فقد كانت أزمة وعي واستسلام لثقافة القعود التي حاول بنو أمية ترسيخها لشرعنة ظلمهم وإقناع الناس بأن كل ما يجري هو قدر الله المحتوم الذي لا تجوز مقاومته.

انتفض الإمام زيد ليفكك هذه المنظومة التضليلية، مبيناً أن التكليف الإلهي يفرض على الأمة التحرّك والجهاد، وأن السكوت على الظالم هو مشاركة في ظلمه.

إن أهم ما قدمه الإمام زيد (عليه السلام) للأمة الإسلامية هو إحياءُ فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كركيزة أساسية لا يستقيم إيمان الفرد ولا صلاح المجتمع بدونها.

لقد أرسى القاعدةَ التي تقول إن الإمام من آل البيت ليس من يقعد في بيته وينتظر الخراج، هو من يشهر سيفه بوجه الباطل ويدعو الناس إلى كتاب الله وسنة نبيه.

هذا الوعي القرآني هو الذي جعل من حركته منطلقاً لكل الأحرار، وحوّل دماءَه الزكية إلى وقود متجدد يُلهم الأجيال المتعاقبة برفض الوصاية والظلم، والتمسك بكرامة الإنسان كمبدأ إلهي لا يمكن المساومة عليه.