hajjahnews

من “خطوط حمراء” إلى “طرق مفتوحة”: كيف تحول الجنوب السوري إلى ساحة نفوذ إسرائيلي مباشر؟

​لم يعد الجنوب السوري مجرد جغرافيا حدودية تخضع لاتفاقيات اشتباك قديمة، بل تحول في الآونة الأخيرة إلى ساحة مفتوحة يستعرض فيها العدو الصهيوني غطرسته العسكرية بلا رادع ميداني من القوى المسيطرة على الأرض.

في وقت تمر فيه المنطقة بمنعطف تاريخي تقوده قوى المقاومة في غزة ولبنان وإيران واليمن والعراق ضد آلة الحرب الإسرائيلية، يبرز مشهد سريالي في ريف القنيطرة ودرعا ووصولاً إلى أطراف دمشق؛ حيث تتسلل الآليات الإسرائيلية، وتُرفع الأعلام الصهيونية فوق تلال سورية طهرتها دماء الشهداء عبر عقود، وسط صمت مطبق ومريب من الجماعات المسلحة التي نصبت نفسها “سلطة” بديلة، وعلى رأسها تنظيمات “الجولاني” ومن يدور في فلكها.

إن ما يحدث اليوم ليس مجرد خروقات أمنية، بل هو مسار متكامل لفرض “واقع استعماري” جديد، يهدف إلى عزل سوريا عن عمقها المقاوم وتحويل جنوبه إلى “حزام أمني” يخدم أمن الكيان برعاية أدواته في الداخل.

​ “القضم الهادئ”.. استراتيجية التثبيت المكاني في القنيطرة وريف دمشق

​بدأ العدو الصهيوني منذ أشهر بتنفيذ عمليات توغل بري لم تعد تقتصر على الاستطلاع، بل انتقلت إلى مرحلة “التثبيت”.

في بلدة حضر الصامدة بريف القنيطرة، تجاوز العدو الخطوط الحمراء برفع علمه عند مداخلها، في رسالة إهانة للسيادة السورية لا يمحوها إلا الرصاص.

هذا الفعل لم يكن رمزياً فحسب، بل ترافق مع تحركات هندسية في صيدا الجولان وسد رواحينا، حيث شوهدت الجرافات والآليات العسكرية وهي تشق طرقاً وتنشئ سواتر ترابية داخل الأراضي السورية بعمق مئات الأمتار.

​هذا التوغل الذي جرى بهدوء “مريب”، يعكس حقيقة أن العدو لم يعد يخشى أي احتكاك عسكري مع الفصائل المسلحة المنتشرة في تلك المناطق.

ففي محيط مزرعة بيت جن، أقام الاحتلال حاجزاً عسكرياً قطع به أوصال المنطقة، وسط غياب تام لأي طلقة تحذيرية أو محاولة تصدٍ من قبل المجموعات التي تدعي “الثورة”.

إن هذا التمدد الجغرافي يهدف إلى إنشاء “منطقة عازلة” فعلية، تُفرغ من أي حضور عسكري حقيقي للمقاومة، وتُسلم مفاتيحها لسيطرة إسرائيلية مباشرة أو غير مباشرة عبر وكلاء محليين.

​سماء مستباحة وصمت “الجولانية”.. التواطؤ تحت غطاء الحياد

​بينما تشهد سماء سوريا تحليقاً مكثفاً للطيران الصهيوني على ارتفاعات منخفضة، مُصدراً أصواتاً ترهب المدنيين وتستهدف البنية التحتية، تبرز “سلطة الجولاني” في إدلب وامتداداتها الفكرية والميدانية في الشمال والجنوب كشريك صامت في هذا العدوان.

لقد تبنت هذه الجماعات ما أسمته “الحياد” في الصراع الإقليمي بين محور المقاومة من جهة، والتحالف الصهيوني-الأمريكي من جهة أخرى.

​هذا الحياد ليس إلا “انحيازاً سافراً” للعدو؛ فبينما يتم اعتراض الصواريخ الإيرانية المتجهة لضرب قلب الكيان وتسقط شظاياها فوق رؤوس السوريين، تلتزم هذه الجماعات الصمت المطبق، بل ويذهب إعلامها المأجور لتبرير الضربات الإسرائيلية بحجة “تصفية النفوذ الإيراني”.

إن فتح سماء البلاد للطائرات والصواريخ الإسرائيلية دون أدنى استنكار، يعري زيف الادعاءات الوطنية لهذه المجموعات، ويؤكد أنها باتت تشكل “غرفة عمليات خلفية” تخدم أهداف الموساد في تتبع واستهداف كوادر المقاومة.

​”الارتهان للممالك”.. الرسائل السياسية خلف الصمت الميداني

و​لا يمكن فصل الصمت الميداني في الجنوب عن التوجهات السياسية الجديدة للجماعات المسلحة، التي بدأت تطرح نفسها كـ “حارس أمين” للمصالح الإقليمية المرتبطة بالمشاريع الأمريكية.

إن الانحياز الواضح ضد طهران، والتضامن الضمني مع الأنظمة التي تحتضن القواعد الأمريكية، يكشف عن صفقة “بقاء” عقدتها هذه الجماعات: الحفاظ على مكاسبها السلطوية مقابل تحييد الجبهة السورية عن الصراع الكبرى.

​لقد تحولت هذه الفصائل إلى أدوات لبعث رسائل تضامن لـ “ممالك الرمال”، مؤكدة أنها لن تطلق رصاصة واحدة ضد الكيان، حتى لو داس جنوده فوق تراب دمشق.

هذا التموضع يضع هذه الجماعات في خندق واحد مع “اتفاقيات التطبيع”، حيث يصبح “العدو الصهيوني” جاراً يمكن التفاهم معه، بينما يصبح “الحليف المقاوم” هو العدو الذي يجب استئصاله.

إنهم يحاولون مقايضة السيادة السورية باعتراف دولي بشرعيتهم المهترئة.

​ التنكيل بالمدنيين وتجريف الهوية المقاومة

​وفي ظل التوغل الإسرائيلي، لم تكتفِ الجماعات المسلحة بالصمت، بل مارست دور “الشرطي” الذي يحمي حدود الاحتلال.

جرت اعتقالات واسعة لمدنيين في مناطق الجنوب بتهم واهية، بينما الحقيقة هي قمع أي صوت يدعو للمقاومة أو يرفض الوجود الإسرائيلي.

الطرق التي تُفتح أمام الدوريات الإسرائيلية المتوغلة تُغلق في وجه المواطن السوري الذي يحاول الوصول إلى أرضه.

​هذا التغيير الديموغرافي والأمني في الجنوب يهدف إلى تجريف الهوية المقاومة لأبناء الجولان والقنيطرة، واستبدالها بحالة من “القبول القسري” بالأمر الواقع.

إن تحول المسلحين إلى “حرس حدود” غير رسميين للكيان هو ذروة السقوط الأخلاقي والوطني، حيث تُدار الوقائع من طرف واحد، ويُترك المدني السوري وحيداً في مواجهة آلة القتل الصهيونية وصمت “الإخوة الأعداء”.

​ تداعيات السقوط.. نحو واقع جديد يفرضه الاحتلال

​إن الاستنتاج الأخطر من هذه الوقائع هو أننا لسنا أمام تفوق عسكري إسرائيلي تقني فحسب، بل أمام “مسار متكامل” لفرض واقع سياسي وجغرافي جديد.

إسرائيل لا تريد فقط ضرب أهداف عسكرية، بل تريد تحويل سوريا إلى “دولة فاشلة” برياً وجوياً، حيث تتحرك فيها القوات الصهيونية كما تتحرك في الجليل المحتل.

​هذا المسار يعتمد بشكل أساسي على “تفكيك الدولة من الداخل” عبر دعم كانتونات يقودها أمثال الجولاني، لا تملك من قرارها شيئاً سوى تنفيذ الأوامر المشغلة.

إن غياب الرد في لحظة التوغل هو ضوء أخضر للعدو لمزيد من التمدد، وهو إعلان رسمي بموت ما كان يسمى “الثورة” وتحولها إلى “جيش لحد” جديد بنسخة سورية.

​الخاتمة: حتمية المواجهة واستعادة البوصلة

​في الختام، إن المشهد في الجنوب السوري يضع الجميع أمام مسؤولياتهم التاريخية. إن الصمت على رفع العلم الصهيوني في حضر، والتوغل في صيدا، واستباحة السماء السورية، هو وصمة عار على جبين كل من يحمل السلاح ولا يوجهه نحو الصدر الصهيوني.

إن الجماعات المسلحة بقيادة الجولاني، بارتهانها للمشروع الأمريكي-الصهيوني، قد اختارت خندقها بوضوح، وهو خندق الخيانة والتبعية.

​لكن التاريخ يؤكد أن الأرض التي رُويت بدماء المقاومين لا يمكن أن تقبل بالاحتلال أو بوكلائه.

إن الرد الحقيقي لن يأتي من “منصات الحياد” أو “غرف عمليات الموك”، بل سيأتي من سواعد المقاومين الذين يؤمنون بأن السيادة لا تُجزأ، وأن الطريق إلى القدس يمر عبر تطهير الجنوب السوري من رجس الاحتلال وأدواته.

إن الواقع الجديد الذي تحاول إسرائيل فرضه هو بنيان من ورق، سيهوي بمجرد أن تستعيد البوصلة اتجاهها الصحيح نحو المواجهة الشاملة، لتظل سوريا قلب العروبة النابض والمحور الصامد في وجه رياح الانبطاح.