hajjahnews

بين “فلك الرفاهية” و”محراب السيادة”

مبارك حزام العسالي

في القاموس السياسي المعاصر، لم تعد “الرفاهية” مُجَـرّد نتاج لخطط اقتصادية ناجحة، بل أصبحت في كثير من الأحيان “مكافأة جيوسياسية” تُمنَح للدول التي تقبل الانضواء تحت مِظلة التبعية لواشنطن.

وفي المقابل، تبرز دول أُخرى اختارت “الطريق الصعب”، مفضِّلةً دفعَ أثمان باهظة من استقرارها واقتصادها مقابل التمسك بمواقف مبدئية تجاه قضاياها وقضايا أُمتها العادلة، وعلى رأسها الحق الفلسطيني ومواجهة المشروع الصهيو-أمريكي.

نماذج “المعاناة” وثمن الموقف المبدئي

عند تأمل خارطة المنطقة، نجد أن الدول التي تعاني من “البؤس” الاقتصادي أَو عدم الاستقرار الأمني ليست بالضرورة دولًا تفتقر للموارد، بل هي دول تدفع ضريبة “التمرد” على النسق الغربي:

• اليمن ولبنان: يمثل هذان النموذجان أقصى درجات التحدي؛ حَيثُ يواجهان عدوانًا حصارًا خانقًا وضغوطًا اقتصادية هائلة نتيجة لرفضهما الانخراط في مشاريع “التطبيع” أَو التخلي عن خيارات المقاومة.

الرفاهية هنا كانت “أسهل من شرب الماء” لو قُبلت المساومة على الموقع الاستراتيجي كـ (باب المندب) أَو الدور الإقليمي.

• إيران: تُعد النموذج الأبرز لـ “الدولة المشروع” التي قرّرت منذ عقود الخروج الكامل من الفلك الأمريكي.

ورغم امتلاكها ثروات هائلة، إلا أنها اختارت مسار الاكتفاء الذاتي والمواجهة المباشرة، مما جعلها هدفًا لأعنف منظومة عقوبات في التاريخ الحديث، وأغشم عدوان تقوده -حتى لحظة كتابة هذا المقال- أمريكا إلى جانب كَيان الاحتلال الصهيوني منذُ أكثر من شهر.

• العراق وليبيا: هما مثالان لـ “التأديب الدولي”؛ حَيثُ تم تدمير بنية الدولة لمنعها من تشكيل ثقل إقليمي مستقل، مما حولهما من دول ذات إمْكَانات رفاهية ضخمة إلى ساحات للصراع والنزيف المُستمرّ.

• مصر: تعيش حالة معقدة؛ فهي رغم انخراطها في اتّفاقيات السلام، إلا أن حجمها وثقلها التاريخي يمنعانها من الذوبان الكامل في الأجندات الغربية دون قيود، مما يجعل “الرفاهية” فيها مشروطة دائمًا بتوازنات دقيقة وضغوط اقتصادية متواصلة.

وغيرها من دول المنطقة التي لا يختلف وضعها عن هذه الدول منها سوريا.

المعادلة الصعبة: الخبز مقابل الكرامة

إن الطريق إلى “الرفاهية الخليجية” -كما يراه الكثيرون- ليس مغلقًا تقنيًّا أمام هذه الدول، بل هو مغلق “سياسيًا”.

فالدخول في “الفلك الأمريكي” يتطلب حزمة من التنازلات:

1. الاعتراف بالواقع الصهيوني: كجزء أصيل من نسيج المنطقة.

2. تحجيم السيادة العسكرية: بحيث لا تتجاوز القدرات الدفاعية سقفًا يهدّد أمن الحلفاء.

3. التبعية الاقتصادية: ربط الثروات الوطنية بالنظام المالي العالمي الذي تسيطر عليه واشنطن.

إن بؤس الشعوب في اليمن والعراق ولبنان وغيرها ليس نتاجًا لـ “فقر” في الأرض والثروات، بل هو نتاج “غنى” في الموقف..

إنها دول قرّرت ورأت أن عبور الطريق الصعب نحو السيادة الكاملة ودعم الحقوق العربية هو المسار الوحيد لكرامة طويلة الأمد، حتى وإن كان ثمن ذلك سنوات من الحرمان والحروب.

تبقى المعادلة قائمة: هل الرفاهية المشروطة هي استقرار حقيقي، أم أن الصمود في وجه “المشروع الصهيو-أمريكي” هو الاستثمار الحقيقي في مستقبل الأجيال؟!

الواقع الذي تعيشه دول المنطقة حَـاليًّا يجيب على هذا السؤال.