لمن يحتفل بذكرى مولد محمد رسول الله.. أين وجدتموه؟

منصور البكالي

نعم، وجدناه، ووجده آباؤنا وأجدادنا الذين انتظروه منذ أن بشر به أنبياء الله إبراهيم وإسماعيل وعيسى وموسى عليهم السلام؛ حيث كانت دعوة سيدنا إبراهيم عليه السلام لأهل مكة أن يبعث الله فيهم رسولاً منهم، كما ورد في القرآن الكريم على لِسانه: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ}.

وارتقبوا مولده بعد أن صرح به سيدنا عيسى ابن مريم عليه السلام بالبشارة الصريحة باسم النبي “أحمد” ومجيئه من بعده؛ قال سبحانه: {وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ}. وأخذ الله الميثاق على جميع الأنبياء بأن يؤمنوا به وينصروه.

ووجدوه في التوراة والإنجيل، وما إن بعثه الله حتى كان الأوس والخزرج اليمانيون أول من بايعه في البيعة الأولى والثانية على السمع والطاعة، والجهاد في المنشط والمكره والعسر واليسر، والنصرة والحماية، والأمر والنهي، وقول كلمة الحق في كل مكان وزمان دون خوف من لومة لائم في الله، وعدم منازعة الأمر أهله، وهو ما يتمسك به الشعب اليمني حتى يومنا هذا، في جهاده، وأمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر، وقوله للحق، وعدم منازعته لولاية أهل البيت عليهم السلام، والتولي الصادق والكامل لهم.

وهم الأجداد الذين استقبلوا رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- عند هجرته إلى المدينة المنورة بفرحة عارمة وحفاوة بالغة، وخرجوا لاستقباله حاملين السلاح في ظاهر “الحرة” ينتظرونه لأيام؛ فلما أقبل هتفوا وكبروا فرحة بقدومه، فعاهدوه على النصرة والحماية، وقدموا له الإيواء والضيافة، حين فتحوا بيوتهم وقلوبهم للمهاجرين، وآثروهم على أنفسهم، وبادروا إلى المؤاخاة، ضاربين أعظم الأمثلة في التكافل حين تقاسموا الأموال والبيوت مع المهاجرين، وكانوا أشد حبًّا لله ولمن هاجر إليهم؛ حيث يقول الله عنهم: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.

وعلى امتداد العهد، استمر شعب الإيمان والحكمة في مقدمة شعوب الأمة وأسبقها للإسلام والجهاد في سبيل الله، والتولي لأولياء الله، والتمسك بالقرآن الكريم وما أُنزل على رسول الله سيدنا محمد -صلى الله عليه وعلى آله- وما أمرهم به ونهاهم عنه، حتى يومنا هذا والشعب اليمني مرتبط برسول الله ورسالته، منفذ لكل ما جاء عنه ومنه وإليه في السور القرآنية كاملة: من سورة (الأنفال، والصف، والإسراء، ومحمد، وآل عمران، والبقرة، والجمعة)، ومختلف السور وكل آياتها، خشية من الله ورغبةً فيما عنده، وثقةً به وبوعده.

وها هو الشعب اليمني يقدر نعمة الرسالة المحمدية ويشكر الله عليها؛ فالرسول الأكرم يسكن قلوبنا ومشاعرنا وأفكارنا، ونجده في صلواتنا وأعمالنا وجهادنا ومختلف جبهاتنا وميادين العزة والشرف، ويلمس شعبنا العظيم ثمار التمسك به وبرسالته في كل تفاصيل حياته هاديًا وقائدًا ومرشدًا.

وكأن لسان حال اليمنيين يقول: وجدناه فينا كما وصفه الله لنا في القرآن الكريم، وهو فينا قائدًا يخطب، ومخططًا للحرب، والسلم العادل، وداعيّاً الأمة والمجتمع البشري إلى الصراط المستقيم، ورثناه عن آبائنا وأجدادنا، فهو لنا ونحن له، وهو أخونا ونحن إخوته، تجلى فينا عبر حفيده السيد القائد؛ فهو لنا النور المبين، والسراج المنير، والهادي إلى الصراط المستقيم.

إنّه معنا يسمع ويرى، ومن قبله ملك السماوات والأرض يرافقنا في كل أحوالنا، لا يفارقنا للوهلة، هو فينا روحٌ وبلسم، هو نَفَسُ الحياةِ وعطرها الفواح، لم يسبق لمخلوقات في الكون أن التقته واجتمعت به وذابت في عشقه أكثر منا.

هو أمسنا ويومنا وغدنا، هو شمسنا ونورنا ونهارنا وسماؤنا وليلنا، هو ملجأنا وقائدنا ومستشارنا، هو من يخطط لنا ويوجهنا ويرشدنا إلى التنفيذ، هو من أثمر الاتباع له نصرًا وقوةً وتمكينًا على أقوى الجيوش عدةً وعتادًا وتسليحًا ومالاً وإعلامًا.

هو من هو؟ هو من يصلي عليه الله وملائكته، وهو من أمرنا الله بالصلاة عليه حين قال سبحانه وتعالى: “إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا”؛ فهو أعظم مخلوق صلى الله عليه وملائكته وأمر المؤمنين بالصلاة عليه.

هو من يستعين شعبنا بذكره في أعماله وفكاك صعابه، وتحمل مشقات الحياة، هو من على دربة نسير ونمضي ونقاتل الكفار والمشركين والمنافقين، هو من على هدية نقارع الطواغيت والفراعنة، وننصر المستضعفين، هو من نستجيب له ولما أوحي إليه، وبقي بين أيدنا، في الحال والترحال.

هو من هو؟ هو قائدنا وقدوتنا ومربينا ومزكي أنفسنا ومعلمنا الكتاب والحكمة، هو المسؤول الأول عنّا في الدنيا بشير ونذير، هو من نتسابق للقائه يوم القيامة بوجوه بيضاء، وصحف مطهرة، هو من نسأل الله أن يجعلنا معه في الفردوس الأعلى من الجنة.

هو من استقينا منه معاني الصمود والثبات، إمام الحصار والبغي والعدوان السعودي الأمريكي خلال 12 عامًا، وهو من نستقي من نهجه وأثره ونهج أعلام الهدى من آل بيته المطهرين المعية الإلهية، ومعاني الثقة بالله؛ فوجدناها حاضرة في مياديننا عزةً وكرامةً وعطاءً وتضحيةً، يعقبها الفوز والفلاح في الدارين.

فهو لنا عين الوجود، ومظهر الرحمة المطلقة، ونور العشاق، وسراج الله المنير، والهادي إلى سراطه المستقيم، ومعراجنا إلى الملكوت.

وهو من وجده شعبنا اليمني في الإمام علي وأبنائه الحسن والحسين -عليهم السلام- واحفادهما من السلالة الطاهرة كالأمام زيد بن علي، والأمام الهادي يحي بن الحسين، والأمام المظلل بالغمام، ووجدناه في حاضرنا في ذات الأسرة التقية العالمة لدين الله والقائمة على حدوده، المقارعة لكل جبار ومستكبر وظالم، العالم الرباني المجاهد السيد بدرالدين الحوثي -رضوان الله عليه- من أنعم الله علينا من ذريته بالشهيد القائد حليف القرآن، السيد حسين بدرالدين الحوثي، “رضوان الله عليه”، وأخوه السيد القائد العلم عبدالملك بدرالدين الحوثي “يحفظه الله”.

فنجدد التأكيد مرة ومليون مرة أنا وجدنا محمد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- متجليًّا في واقعنا بكل صفاته ومواصفاته، وكماله وإنسانيته وشجاعته، لا يفرق بينه وبين حفيده غير السنين الذائبة؛ فهو فينا ونجده، ومَنَّ الله علينا به من بين شعوب الأرض قائدًا ومنقذًا للمجتمع البشري، واصطفاه الله خلال معركة “طوفان الأقصى” على بقية أعلام الهدى في محور الجهاد والمقاومة، حتى صار خاتمهم بعد أن تمنى أحدهم بأن يكون جنديًا يقاتل تحت رايته، وناداه بالقائد؛ فصار لإعلام الهدى في عصرنا، كما كان جده للأنبياء والمرسلين قبل قرون.

فهذا قبسٌ من محمد رسول الله فينا، وهذا هو شعبنا المحمدي الأصيل من وجد محمد منذ قرون ولا يزال ملتزم برسالته وقيمه ومبادئه وجهاده وشجاعته وشدته على الكفار ورحمته على المؤمنين، وهو من لا يمكن أن يفارقه شعب الإيمان والحكمة في الدنيا وفي جنات الخلود الأبدي.