سند الصيادي
مثّلت دعوة قائد الثورة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي للشعب اليمني للخروج إلى الساحات محطةً مفصليةً أعادت رسمَ ملامح المرحلة المقبلة، بعدما خرجت الجماهيرُ في مشهد مليوني واسع لتعلن تمسكها بخيارات القيادة في مواجهة استمرار العدوان والحصار ومحاولات فرض الوصاية على اليمن.
فمن ميدان السبعين بالعاصمة صنعاء، ومن أكثرَ من ساحة في مختلف المحافظات، جاء الحضورُ الشعبيُّ الكبيرُ ليقدِّمَ رسالةً سياسيةً واضحةً: المِلفات الوطنية الكبرى لا تُدار بمعزل عن إرادة الشارع، وأي خيارات تتعلق بمستقبل اليمن تجد سندًا شعبيًا واسعًا.
جاءت الدعوةُ في توقيت مفصلي، بعد سنوات من الحصار والمعاناة الإنسانية والجمود السياسي، لتضع الشعبَ أمام مرحلة جديدة عنوانها “تقرير المصير”.
وقد حملت الاستجابة الجماهيرية دلالات تتجاوز حجم الحشد، إذ عكست مستوى التفاعل مع خطاب القيادة، وأظهرت قدرة صنعاء على تحويل القضايا العليا إلى قضية جماهيرية عامة.
لم يكن المشهد في ميدان السبعين -ناهيك عن بقية الساحات- مجرد تجمع بشري، بل رسالة بأن القرار السياسي يستند إلى قاعدة شعبية ترى أن استمرار الحصار والقيود لم يعد مقبولًا، وأن مرحلة الانتظار الطويل قد وصلت إلى نقطة تحول.
وفي مضمون الرسائل الشعبية عدة رسائل، أبرزها أن أي محاولة لفرض حلول جزئية أو معالجة محدودة للملفات الإنسانية لن تكون كافية، والمطلوب معالجة شاملة تنهي عقودًا من الحصار والوصاية، كما أن الهتافات والشعارات نقلت الخطاب الشعبي من المطالبة إلى الضغط، والتحذير من تداعيات استمرار الوضع القائم على طبيعة المرحلة القادمة.
شكلت المليونيات تفويضًا شعبيًا للقيادة لاتخاذ ما تراه من خطوات لحماية مصالح اليمنيين وانتزاع حقوقهم، وأظهرت أن قضية الحصار والملفات السيادية تجاوزت الأطر السياسية الضيقة، وأبرزت الانسجام بين الخطاب الرسمي والشارع، بكونهما في اتجاه واحد.
تأتي مليونية التحذير والنفير في ظل تحولات إقليمية متسارعة، والرسالة التي حملتها الحشود تجاوزت الداخل اليمني إلى الأطراف الإقليمية والدولية، حيث ترتبط المعركة بالمتغيرات الأوسع، كتأكيد أن اليمن لن يقبل أن يبقى خارج معادلات المنطقة، وأن استمرار الضغوط لن يؤدي إلى تراجع الموقف اليمني، بل إلى مزيد من التمسك بالخيارات التي تعلنها القيادة.
ومع انتهاء المليونية، التي لا تزال أصداؤها تحكم المشهد، تدخل المنطقة مرحلة جديدة من الحسابات، حيث باتت الخيارات أكثر وضوحًا: إما أن تفتح التطورات بابًا أمام خطوات سياسية تعالج الملفات الإنسانية والاقتصادية وتخفف الاحتقان، أو يستمر مسار التصعيد الذي تحذر صنعاء من أنه قد يقود إلى مرحلة أكثر حدة.
لقد أظهر المشهد الجماهيري أن القيادة والشعب يقفان في خندق واحد، وأن الساحات تجاوزت أماكن للحشد، لتصبح تعبيرًا رمزيًّا وعمليًّا عن وَحدة الموقف وتماسك الصف؛ فحين تلتقي إرادة القيادة مع نبض الجماهير تتحول المواقف إلى قوة حاضرة في معادلات الصراع وصناعة التحولات.