الثقافة بلا ثوابت معول هدم لا بناء

محمد أحمد البخيتي

حين تتحول الثقافة من أداة بناء إلى أداة هدم، ومن حاضنة للهوية إلى مبرر للانسلاخ، يصبح الغباء المقولب في قالب الثقافة والعقل والمنطق أخطر ما يصيب الأمم.فبدل أن يكون المثقف حارسًا للذاكرة الجمعية، نجده يقود نفسه وأهله إلى خيانة الوطن خدمةً للعدو، ويبيع الأرض بذريعة (الواقعية)، ويبرر الذل تحت مسمى (الحكمة)، ويصفق للسوط الذي جلد ظهره وتسبب بمعاناته، ظنًّا منه أنه وسام شرف.

فبدل أن يكون المثقف حارسًا للذاكرة الجمعية، نجده يقود نفسه وأهله إلى خيانة الوطن خدمةً للعدو، ويبيع الأرض بذريعة (الواقعية)، ويبرر الذل تحت مسمى (الحكمة)، ويصفق للسوط الذي جلد ظهره وتسبب بمعاناته، ظنًّا منه أنه وسام شرف.

ولهؤلاء نقول: يا من بعتم أوطانكم بثمن بخس، اعلموا أن المحتل الذي تخدمونه لا يراكم إلا خونة، وأنكم بعد أن رضيتم بمعاناة أهلكم وتبرأتم من دمكم، ستبقون معلقين بين خيانة لا تُغتفر وذلّ لا يُمحى، ولا عزة لخائن، ولا مكانة لمن باع أصله ووطنه.

والتاريخ شاهد لا يكذب، والشعوب ذاكرة لا تموت؛ فالغزاة عبر العصور لم يصنعوا من العملاء حكامًا ولا قادة، وإنما استخدموهم كجسور مؤقتة، وبعد أن عبروا عليهم داسوهم وكسروهم ورموهم في الهاوية، وعليه فلا ينبغي أن يتوهم أحد أن قربه من المحتل نجاة، وأن مدح المحتل له وثناؤه عليه حصانة، كما عليه أن يعلم أنه أول من تدهسه أقدام الغزاة عند التمكين، رغم كونه من مهّد لهم الطريق؛ لأن العدو يعلم أن من هان عليه وطنه سيهون عليه كل شيء.

والخطير أن بعضهم يتحدث بلسان العدو، ويردد سردياته، ويفكر بعقله، ويرى العالم من زاويته، ثم يسمي ذلك (انفتاحًا) و(تقدمًا) و(حيادًا) و(تعايشًا) و(سلامًا)، بينما الحقيقة أن ذلك ليس إلا استلابًا للهوية، وموتًا بطيئًا للكرامة، وبيعًا للقيم بثمن بخس لا يساوي حتى قيمة الحبر الذي كُتب به عقد العمالة.

وهنا يبرز السؤال المصيري أمام كل صاحب قلم وكلمة: أيها الإعلامي، أيها الصحفي، أيها الكاتب، أيها المثقف، أيها المتعلم، اختر طريقك؛ فأمامك طريقان بلا ثالث؛ فإما أن تكون قلمًا يكتب للتاريخ مجدًا، وإما أن تكون حبرًا يسطر للعار صحيفة.

وفي الأخير، تظل الحقيقة الثابتة أن الأوطان لا تُبنى بأيدي الخونة، وأن المجد لا يُنسج على موائد اللئام، وأن الحق يبقى صامدًا، راسخًا، حتى لو تكالب عليه كافة قادة الكفر وكل أهل الباطل مع بعضهم البعض.