hajjahnews

الشهادة طريق القادة.. وعهد لا ينقطع في مواجهة الاستكبار

جميل المقرمي

في زمن تتكاثر فيه صفقات السياسة الملوّثة بالمصالح الضيّقة، والانتهازية السياسية، وبراغماتية الخضوع، وتغليب موازين المصالح الأنانية، وصفقات الخضوع، والعمالة والتطبيع والاستسلام لمعادلات قوى الاستكبار والغطرسة الصهيونية.

يظل طريقُ الحق مختلفًا تمامًا، طريقًا لا يسلكُه إلا من باع نفسَه لله، وأدرك أن العدلَ والحقَّ لا يقومان إلا بالتضحيات، وأن نصرة المستضعفين ليست شعارًا يُرفع، بل موقفًا يُدفَعُ ثمنُه دمًا وعُمرًا ومواقف لا تتراجع.

هكذا كان حال كثير من القيادات في إيران، الذين اختاروا منذ البداية أن يقفوا في خندقِ المواجهة لا في مقاعد الانتظار، جاهدوا في الله حقَّ جهاده، ولم يساوموا على مواقفهم، ولم يتراجعوا حين اشتد الحصار وتعاظمت التهديدات، بل مضَوا في طريقهم بثبات المؤمن الذي يعرف أن الصراعَ مع الباطل قدر لا مهرب منه، وأن الوقوف مع الحق عهد لا يُنقض.

لقد جعلت إيران منذ انتصار ثورتها موقفَها واضحًا في دعم القضية الفلسطينية، ورفض الاعتراف بكيان الاحتلال الصهيوني، واعتبار فلسطين قضية مركزية للأُمَّـة، وقدمت في سبيل ذلك تضحيات كبيرة، وواجهت؛ بسَببِ هذا الموقف حصارًا سياسيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا، ومحاولات عزل وتشويه لم تتوقف.

لكنها رغم ذلك بقيت في موقعِ المواجهة مع منظومة الاستكبار العالمي، وفي مقدمتها الغطرسة الأمريكية التي حاولت لعقود أن تفرضَ إرادتَها على شعوب المنطقة، وأن تحميَ كَيان الاحتلال الصهيوني، وتوفر له الغطاء السياسي والعسكري لارتكاب جرائمه بحق الشعب الفلسطيني.

وفي مقابل هذا الواقع، بقيت طهران ترفع راية نصرة فلسطين، وتعلن أن المعركة مع المشروع الصهيوني ليست قضية حدود أَو مصالح، بل قضية حق وعدل وكرامة أُمَّـة.

ومن يسلك هذا الطريق يعلم جيِّدًا أن النهاية الطبيعية له ليست القصور ولا المناصب، بل التضحية والشهادة التي وعد الله بها الصادقين الذين باعوا أنفسهم ابتغاء مرضاته.

قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أنفسهُمْ وَأموالهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالقرآن ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾

وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾

وقال جل شأنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أولياء تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾

وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾

هذه الآيات لم تكن مُجَـرّد كلمات تُتلى، بل كانت منهجًا يسير عليه كُـلّ من اختار طريق المواجهة مع الظلم والاستكبار، ورفض الخضوع لمنظومة الهيمنة التي تقودها أمريكا، وتفرض بها سياساتها على شعوب العالم.

فالذين ختموا أعمارهم بالشهادة لم يخسروا شيئًا، بل ربحوا كُـلّ شيء، ربحوا رضوان الله، وخلدوا أسماءهم في سجل الصادقين، وتركوا خلفهم طريقًا واضحًا تسير عليه الأجيال، طريقًا عنوانه الثبات على الحق ونصرة المظلومين مهما كانت التضحيات.

ولم يكن خروجهم من الدنيا كخروج كثير من قادة هذا العصر، الذين يغادرون مواقعهم بقرارات تقاعد أَو صفقات سياسية أَو انقلابات داخلية، بل خرجوا بقرار إلهي اصطفاهم الله به إلى جواره في عليين.

وهل هناك منزلة أعظم من أن يختم الإنسان حياته وهو ثابت في موقعه مدافعًا عن الحق، صابرًا على الطريق، مؤمنًا بالقضية التي عاش؛ مِن أجلِها؟

إن دماء الشهداء لا تغلق المعركة، بل تفتح فصولًا جديدة منها، فهي الوقود الذي يوقظ الأُمَّــة، ويذكرها بأن الطريق الذي خطه الشهداء لا يجوز أن يتوقف عند لحظة الفقد، بل يجب أن يتحول إلى عهد متجدد بالمضي قدمًا في مواجهة الظلم والاستكبار.

فالذين سبقونا إلى الله لم يتركوا لنا الحزن فقط، بل تركوا لنا الطريق، وتركوا لنا المسؤولية، وتركوا لنا وصية مكتوبة بدمائهم أن لا نتراجع، وأن لا نتعب، وأن لا نساوم على الحق، وأن تبقى فلسطين في قلب المعركة، وقلب الوعي، وقلب المشروع التحرّري للأُمَّـة حتى يتحقّق الوعد، وتعود الأرض إلى أهلها.

ونسأل الله أن لا يحرمنا شرف هذا الطريق، وأن يكتب لنا الصدق والثبات حتى نلقاه وهو راضٍ عنا