في لحظة مفصلية من تاريخ الأمة، حيث غاب صوت الحق، وسادت لغة الخنوع، وارتفعت رايات الولاء لأعداء الأمة من داخلها قبل خارجها، خرج رجل من جبال صعدة اليمنية يحمل مشروعًا استثنائيًا، وموقفًا صريحًا، وفهمًا عميقًا للقرآن. لم يكن يمتلك سوى اليقين، والإيمان، والوعي، لكنه تحوّل في وقت قصير إلى عنوان مرحلة، وقائد لمسار تحرري مختلف.
إنه الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي، الرجل الذي لم تأسره الحسابات السياسية، ولم يربكه ضعف الإمكانات، لأنه كان يحمل في قلبه مشروعًا لله، نابعًا من كتابه، ومن آلام هذه الأمة وطموحاتها.
ينتمي الشهيد القائد إلى أسرة علمية وجهادية عريقة، وكان من أبرز تلامذة والده العلامة المجاهد السيد بدر الدين الحوثي. لم يكن حسين الحوثي مجرد فقيه أو محاضر ديني، بل كان مفكرًا وصاحب رؤية عميقة للأحداث، يقرأ الواقع بنور القرآن، ويفهم حركة الاستكبار العالمي بوصفها تهديدًا شاملًا لعقيدة الأمة، وكرامتها، واستقلالها.
أدرك باكرًا أن الخطر الأكبر لا يكمن في قوة العدو العسكرية فحسب، بل في ثقافة الخضوع، وروح الهزيمة الداخلية التي أصابت الأمة، فكان مشروعه القرآني محاولة جادة وعملية لإنقاذ الناس من الداخل، عبر إحياء علاقتهم الحقيقية بالقرآن، وفهمه كدستور مواجهة لا كتاب تبرّك فقط.
لقد تحوّل السيد حسين بدر الدين الحوثي من رجل محاصر في جبال مرّان إلى رمز عالمي للمقاومة والكرامة، وأصبح مشروعه القرآني نبراسًا للوعي، وأساسًا لحركة تحرر شاملة تتجاوز الحدود الجغرافية لتصل إلى وجدان كل أحرار العالم. فما حمله لم يكن فكرًا مناطقيًا ولا رؤية سياسية محدودة، بل كان صدى لنداء إلهي عميق، يعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والدين، بين الشعوب والحرية، بين القرآن والواقع.
اليوم، لا تزال كلماته تُتداول في كل منبر، وتُدرّس محاضراته في حلقات الوعي، ويتربى على نهجه جيل جديد يعرف عدوه جيدًا، ويعرف أيضًا كيف يواجهه، ليس بالعنف الأجوف، بل بالوعي، والبصيرة، والارتباط بالله.
إن مشروع الشهيد القائد لم ينتهِ، لأن المشاريع المرتبطة بالقرآن لا تنتهي، ولأن الدماء التي تُسفك في سبيل الحق، لا تذهب هدرًا، بل تُثمر أجيالًا تحمل الأمانة. لقد علّمنا أن لا قيمة للحياة إذا كانت على حساب الكرامة، وأن الصمت خيانة، وأن الشجاعة تبدأ بكلمة، وتنتهي بثورة.
في ذكرى استشهاده، نعاهده أننا على الطريق ماضون، وبالمشروع أوفياء، وبالصرخة متمسكون، وأن دماءه ستظل وقودًا لنا لمواصلة المواجهة، حتى تتحرر الأمة من كل أشكال التبعية والهيمنة، وتعود إلى موقعها الطبيعي: أمة حرة، عزيزة، تقود لا تُقاد، وتواجه لا تخضع.
الشهيد القائد لم يمت، لأنه ترك فينا ما لا يموت…
بقلم/ أحلام الصوفي*
