hajjahnews

وَهْـمُ إسقاط إيران وحقيقة الصراع الإقليمي

شاهر أحمد عمير

من يراهن على سقوط النظام في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، أَو يبني قناعتَه على التحولات الجارية في المنطقة، أَو على التصريحات المتكرّرة الصادرة عن أمريكا وكَيان الاحتلال الإسرائيلي الصهيوني، إنما يقرأ المشهد السياسي بسطحية، ويغفل جوهر الصراع وحقيقته التاريخية.

فهذه التهديدات والوعود المتكرّرة ليست جديدة ولا وليدة اللحظة، بل تمثل امتدادًا لمسار عدائي ثابت بدأ مع انتصار الثورة الإسلامية في إيران، واستمر بلا انقطاع حتى اليوم، بأدوات مختلفة وأشكال متعددة، لكنْ بهَدفِ واحد لم يتغير.

أمريكا وكَيان الاحتلال الصهيوني لم يتوقفا يومًا عن السعي لإسقاط النظام الإيراني، لا لأن هذا النظام يشكّل خطرًا على الشعب الإيراني كما يروّج الخطاب الدعائي؛ ولا بسَببِ ما يسمى بالامتداد الفارسي الذي يتاجر به المنافقون والمطبّعون والعملاء؛ بل لأنه نظام يرفض الخضوع لمنظومة الهيمنة، ويمتلك قرارًا سياديًّا مستقلًّا، ويقف بوضوح إلى جانب قوى المقاومة في المنطقة، ويشكّل عائقًا حقيقيًّا أمام المشروع الصهيوني التوسعي.

ومنذ اللحظة الأولى لانتصار الثورة، وُضعت إيران في دائرة الاستهداف الشامل، وتعرّضت لحرب متعددة الأوجه شملت الحصار والعقوبات والتهديد العسكري والحرب الإعلامية والاختراقات الأمنية ومحاولات العزل الإقليمي والدولي.

وعلى مدى أكثر من أربعة عقود، جُرّبت كُـلّ أدوات الضغط الممكنة ضد إيران، من الحرب المباشرة إلى العقوبات الاقتصادية الخانقة، ومن الاغتيالات والتخريب الداخلي إلى التحريض الإعلامي وتوظيف الاحتجاجات.

ومع ذلك، فشل هذا المشروع في تحقيق هدفه المركزي.

هذا الفشلُ المتراكِمُ هو ما يفسِّرُ تصاعُدَ الخطاب العدائي والتهديدي في كُـلّ مرحلة؛ فلو كان إسقاط النظام الإيراني أمرًا سهلًا أَو قريبًا، لما احتاجت أمريكا وكَيان الاحتلال الصهيوني إلى هذا القدر من التصعيد والتكرار.

إن ما يجري تقديمُه على أنه مؤشراتُ ضَعف داخل إيران، سواء عبر العقوبات أَو الاحتجاجات أَو الضغوط الاقتصادية، هو في حقيقته تعبيرٌ عن طبيعة الصراع الطويل والمفتوح.

فالنظام الإيراني ليس نظامًا فرديًّا أَو طارئًا يمكنُ إسقاطُه بصدمة واحدة، بل هو نظامٌ مؤسّساتي متجذِّر، يستندُ إلى دستور أقرّه الشعب، ويضُمُّ منظومةً سياسيةً معقّدة تشملُ المرشدَ والرئاسةَ والحكومةَ والبرلمان ومجلس صيانة الدستور ومجلس خُبَراء القيادة، إلى جانب مؤسّسات عسكرية وأمنية راسخة كالحرس الثوري والجيش وقوات التعبئة.

هذه البنية لم تنشأ صدفةً، بل تشكّلت عبر تجربة طويلة من الصراع والتحدي، وراكمت مناعةً داخليةً تجعلُ من فكرة الانهيار السريع وَهْمًا سياسيًّا أكثر منها قراءة واقعية.

أما ما يتعلق بالتضحيات التي قدّمها محور المقاومة، من قادة وعلماء وشهداء، فهي لا تعكس هزيمة بقدر ما تعكس طبيعة مواجهة غير متكافئة مع قوى تمتلك تفوقًا عسكريًّا وتكنولوجيًّا واستخباراتيًّا هائلًا.

فالمقاومة، تاريخيًّا، لا تُقاس بعدد الضربات التي تتلقاها، بل بقدرتها على الصمود والاستمرار وكسر إرادَة العدوّ، وهي حقيقة أثبتها التاريخ مرارًا في فلسطين ولبنان واليمن وغيرها.

وبشأن العقوبات الاقتصادية، لا يمكن إنكار آثارها القاسية على حياة الناس، لكنها لم تكن يومًا أدَاة حاسمة لإسقاط النظام الإيراني.

فإيران تعايشت مع الحصار لما يقارب خمسةً وأربعين عامًا، وطوّرت خلال هذه الفترة آلياتِ تكيُّف، وعزّزت مفهوم الاعتماد على الذات، وراكمت خبرات اقتصادية وصناعية وعسكرية جعلتها أقل هشاشة مما يتخيّله خصومها.

بل إن تشديد العقوبات غالبًا ما كان يؤدي إلى نتائجَ عكسية، من حَيثُ تعزيز خطاب الصمود الداخلي وتكريس القناعة بأن الصراع وجودي لا يمكن حسمه بالتنازلات.

ومن المهم التأكيد أن استهدافَ الجمهورية الإسلامية الإيرانية لم يكن يومًا في مصلحة الشعب الإيراني، ولا له علاقة بحماية الشعوب أَو نشر الديمقراطية كما تزعم أمريكا.

بل إن الهدف الحقيقي لهذا الاستهداف هو حماية كَيان الاحتلال الإسرائيلي الصهيوني وضمان استمراره في القتل والاحتلال بحق الشعب الفلسطيني، والاعتداء المتواصل على لبنان وسوريا، ومنع أية قوة إقليمية من تقديم دعم حقيقي للمقاومة الفلسطينية واللبنانية.

إن الدور الذي لعبته إيران في دعم المقاومة شكّل عائقًا فعليًّا أمام مشاريع احتلال غزة ولبنان والعراق، ووقف سَدًّا في وجه استكمال مخطّط ما يسمى بـ (إسرائيل الكبرى)، وهو ما يفسّرُ حجمَ العداء وشراسة الحرب المفتوحة عليها.

في المحصلة، قد يتعرّضُ النظامُ الإيراني لضغوط ويتأثر بتحديات قاسية، لكن الحديث عن انهياره يظل أقرب إلى الأمنيات السياسية منه إلى التحليل الواقعي.

فإيران تمتلك مقومات البقاء والاستمرار، وتدرك أن صمودها لا يقتصر على بُعدها الوطني، بل يشكّل ركنًا أَسَاسيًّا في معادلة حماية قضايا الأُمَّــة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

ومن هنا ستبقى المواجهة خيارًا استراتيجيًّا، وسيبقى الرهان على الزمن والصمود، إلى أن تسقط أوهام الهيمنة، وينكسر المشروع الصهيوني، ويثبت التاريخ مرة أُخرى أن إرادَة الشعوب أقوى من كُـلّ أدوات العدوان.