hajjahnews

سليماني.. قصةُ الرّوح التي عبرت من بغداد إلى وجدان الأحرار

عبد القوي السباعي

في الساعة الثانية من فجر ذلك الشتاء البارد، الثالث من يناير 2020م، كان الكونُ يشهدُ ولادةً ثانية لأعذب حكاية إنسانية في عصرنا الحديث؛ ظنّ القاطنون في البيت الأبيض أن صاروخًا غادرًا كفيلٌ بطيِّ صفحة الرجل الأُسطورة، لكنهم لم يدركوا أن الدخانَ الذي تصاعَدَ من محيط مطار بغداد الدولي كان يكتبُ السطرَ الأول في ملحمةٍ عابرة للقارات.

دماءَ الفريق الحاج قاسم سليماني التي سكنت ترابَ الرافدين في تلك الليلة، كانت الزيت الذي أضاء قناديل الزلزال الجهادي الذي لا تزال ارتداداته تضرب أركان المشاريع الصهيو-أمريكية حتى يومنا هذا.

اليوم، وفي الذكرى السادسة لهذا الرحيل الذي يشبه الحلم، يتضحُ للعالم أجمعَ أن الاغتيالَ الذي أُرِيدَ منه وأدُ الأثر، تحوّل إلى انبعاثٍ يتجاوز الجغرافيا؛ فالمدرسة التي أسّسها سليماني غدت عقيدة تنبض في وجدان الأحرار، ومنهج تحرير لجيلٍ كامل من المقاومين الذين باتوا اليوم يطوقون قلاع الاستكبار.

سليماني كان ابنًا بارًّا للبارود والمتارس، وليس قائدًا شَبَّ في ردهات المكاتب المكيَّفة؛ فمنذ عشرينياته حين أسَّس لواء “ثأر الله 41″، وُصُـولًا إلى قيادته لفيلق القدس، ظل الرجل ينسج بيده الثابتة خارطة بأسٍ وصمود لا يخفت، محوّلًا المقاومة من حلمٍ بعيد إلى واقعٍ ملموس يمتد من طهران إلى غزة وبيروت، صعودًا إلى دمشق وصنعاء.

سحرُ سليماني وجاذبيتُه كانت تكمن في تلك الثنائية المدهشة؛ ففي اللحظة التي تراه فيها يرتدي سترةَ القتال وخوذة الحرب وسط جبهات “البوكمال” أَو “تكريت” ليحرّرَ الأرض من دنس “داعش” وأخواتها، تجده هو نفسه الإنسان الذي يحملُ هَمَّ الدواء والمواد الطبية لبلده المحاصَر.

كان يحاربُ بالسيف ويواسي بالورد؛ يخطِّطُ لتحرير المدن، وفي جيبه رسالةٌ لمواطنٍ منكسر أَو دمعة ليتيم شهيد.

هذه الكاريزما، هي التي جعلت سيدَ المقاومة السيد حسن نصر الله يصفُه بـ “الأخ والحبيب”، ويقولُ عنه بصدقٍ رقراق: “كان الحاج قاسم جزءًا مني، وأنا جزءٌ منه”.

ومع هذا العملاق، كان يبرزُ ظلّه الوفي الشهيد الحاج أبو مهدي المهندس؛ ذاك القائد الذي آمنَ بأن كرامةَ الوطن تبدأُ من حماية أضعف أبنائه، كانت العلاقة بينهما تكامليةُ الأرواح لنصرة المستضعفين.

عاشا معًا بصمت، وتواضعا للأرض حتى صارت تشبههما، وعملا بعيدًا عن صخب الشهرة والتفاخر، تاركين الأثر يحكي عن صاحبه.

وكان استشهادهما معًا تتويجًا لمسيرةٍ لم تعرف طعمَ الراحة، والتي خاضها القائدُ سليماني لمدة 40 عامًا، كشفت خلالها الجريمةُ الأمريكيةُ مدى خوف القوى الكبرى من مشروع الإنسان الحق الذي مثّله هذا البطل.

بعد ست سنوات، تبدو ضربة ترامب فعلًا عبثيًّا يائسًا؛ فقد أرادوا إنهاءَ خطر سليماني؛ فخلقوا مليار سليماني، وتحوّل شهيد القدس والأقصى من قائدٍ ميداني إلى فكرةٍ حية.

وباتت دماءُ الحاج قاسم والحاج أبو مهدي اليوم البُوصلةَ التي تشير إلى القدس التي صارت أقرب من أي وقتٍ مضى.

سيظل اسم سليماني محفورًا في وجدان الشعوب الحرة كعنوانٍ للكرامة، كما أنّ شعار “ناصر المستضعَفِين” سيبقى دعوةً دائمةً لاستلهام نهج القائد الذي جعل من جسده جسرًا ليعبر المظلومون نحو فجر الحرية والعدالة والسيادة والاستقلال.