عبدالخالق دعبوش
حين يغيب وعي الشعوب ويستسهل الحكام النوم في أحضان الخارج، تتحول الدولة إلى فريسة مهما امتلكت من نفط أَو معادن أَو شعارات معادية لها طابع سيادي.
المشكلة لا تبدأ من أمريكا بل من الداخل؛ من حاكم عميل ونخبة فاسدة ودوائر قرار مربوطة بخيوط السفارات.
عندها لا نحتاج إلى حرب ولا إلى جيوش جرارة، يكفي اتصال وتسريب وتسهيل من خائن جالس في قلب القرار ليصبح رئيس دولة هدفًا سهلًا وتنفذ عملية خاطفة يراد لها أن تسوق كإنجاز استخباراتي، بينما حقيقتها فضيحة سيادة وانكشاف دولة.
ما جرى في فنزويلا لا يعبر عن قوة أمريكية بقدر ما يكشف طبيعة الرهان الأمريكي الدائم: الاختراق من الداخل.
أمريكا لا تنتصر عندما تواجه شعوبًا واعية، بل حين تجد زعيمًا يثق بها أكثر مما يثق بشعبه، أَو يتعامل معها كعدو ويلقي الخطابات الرنانة لكنه يغفل دوائر القرار؛ لذلك أكثر الزعماء يخشون الجماهير أكثر مما يخشون العدوّ.
وأكثر ما تخشاه الشعوب هو عدم التحَرّك والاستعداد وقطع دوائر القرار المرتبطة بالسفارات أكثر من ارتباطها بالقيادة والشعب.
لذا فإن السياسة الأمريكية الآن، بعد انكشاف أمريكا ونهبها ونفوذها، تقوم على أن من يمتلك دوائر القرار يسقط حتى الزعماء لينهار بعدها النظام بكل أشكاله؛ حينها تكتفي الشعوب بمظاهرة لا تعيد لها أبسط الحقوق.
استراتيجية “بيت الطاعة” والبديل الجاهز
أمريكا لديها استراتيجية مع الشعوب:
الشيطنة: اتّهام زعيمها إذَا لم يكن داخل “بيت الطاعة” لواشنطن.
تحميل المسؤولية: إسقاط كُـلّ مشاكل الأرض عليه كسبب مقنع وقانوني تجاهر به المواقف الرافضة لهذا التصرف اللا أخلاقي، فهي لا تعير أي قوانين ولا سيادة دول.
الضغط والترهيب: تبدأ مرحلة الضغط والتخويف والانفلات الأمني وكأنها حريصة على الأمن القومي، والشعوب سذج يكتفون بأكذوبة الأمن والاستقرار بدل الفوضى التي كان أصلها واشنطن.
التنصيب: يتم تنصيب وكيلها أَو التابع لها كبديل وواقع، والمعارضة هي الهدف الأسهل والأكثر نجاحًا.
جني الثمار: بعد انتهاء الأهداف التي تريد تحقيقها (نهب الثروة، الوصاية، والتحكم بالشعوب)، تظهر كحمامة سلام وإنسانية الكون.
ولذا ما حصل في فنزويلا ليس سوى محاولة لإعادة هيبة أمريكا المكسورة بعد أن مرغ اليمن أنف الهيمنة الأمريكية في عباب البحار؛ لم يبقَ أمام واشنطن سوى استعراضات إعلامية تعوض بها هيبة مكسورة، عمليات سريعة، قصص بطولية مصنوعة وضجيج هوليودي يخفي حقيقة واحدة: أمريكا بلا خونة مُجَـرّد صخب بلا تأثير.
أما الدول التي تريد النجاة فمعادلتها واضحة وبسيطة: شعب واعٍ، محاسبة صارمة للعملاء، وقرار وطني مستقل.
وما دون ذلك فانتظار الدور ليس أكثر.
