حسن عردوم
لو يعرف العرب ماذا نكنّ لهم في قرارة أنفسنا، وماذا نهيئ أنفسنا لتقديمه من أجلهم، وما الذي نحمله من همومهم، وما نحن مستعدون للتضحية به دفاعًا عنهم وإزالة المخاطر التي تهددهم، لما حاربونا، ولما وقفوا في وجه مشروعنا قبل أن يتعرفوا إلى حقيقته ويفهموا أهدافه.
نعم، لقد ضحّى شهيد القرآن السيد القائد حسين بدر الدين الحوثي _رضوان الله عليه_ بنفسه، وبإخوته، وامتدت التضحيات إلى معظم أفراد أسرته، من أجل هذه الأمة، لا من أجل نفسه أو سعيًا لمنصب أو جاه أو سلطة يبحث عنها. ومن يبحث في ملازمه، ويتأمل ما طرحه فيها من أفكار ومواقف، سيجد أن القضية بالنسبة إليه كانت أكبر من حسابات السياسة ومكاسب السلطة، وأن ما كان يشغله هو واقع الأمة وما تواجهه من أخطار وتحديات.
وهذه حقيقة قد لا يعرفها كثير من العرب، أو لم تتح لهم الفرصة للاطلاع عليها بعيدًا عن الأحكام المسبقة والخصومات السياسية.
إن هذا المشروع منذ انطلاقته، وكما نفهمه ونؤمن به، جاء ليحصن البلد من الغزو الأمريكي الإسرائيلي، ويرفض الهيمنة الأمريكية على شعوب أمتنا، انطلاقًا من قناعة بأن القضية الفلسطينية تمثل القاسم المشترك الذي يمكن أن يجمع الأمة ويوحد مواقفها. كما جاء ليحيي قضية تتعلق بهوية الأمة واستقلال قرارها وحق شعوبها في أن تعيش بحرية وكرامة، بعيدًا عن محاولات الإخضاع والاستعباد والهيمنة.
إننا نرى أن المشروع القرآني الذي نسير عليه يمثل طريقًا للخلاص من التبعية للهيمنة الأمريكية والصهيونية، وأن الأمة مستهدفة، سواء أدركت ذلك أم لم تدركه، وأن الاستسلام والخضوع لا يضمنان الحماية ولا يمنعان الأخطار.
ومن هنا جاءت قناعتنا بأن الدفاع عن الأمة لا يقتصر على امتلاك القوة العسكرية، وإنما يبدأ بتحرير إرادتها السياسية، وبناء وعيها، وتمكينها من معرفة أعدائها ومصادر الخطر التي تواجهها.
ونؤمن بأن المشروع القرآني الذي يقودنا فيه السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي يحفظه الله هو مشروع شامل يسعى إلى تقديم رؤية للأمة في مختلف المجالات، انطلاقًا من القرآن الكريم، وبهدف معالجة جوانب الضعف التي أصابتها، وإعادة الاعتبار لهويتها الإيمانية، وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات الفكرية والثقافية والسياسية.
لقد جاء هذا المشروع، وفقًا للشهيد القائد ، استجابة لما رآه من هجمة أمريكية إسرائيلية تستهدف أمتنت، وتهدد هوية شعوبها واستقلالها. وهو مشروع تصحيحي يسعى إلى إعادة الأمة إلى منطلقاتها الإيمانية، وتحصينها من التضليل الثقافي والفكري، ومساعدتها على فهم ما يجري حولها بدلًا من الاكتفاء بمراقبة الأحداث والتعامل معها دون رؤية واضحة.
ومن هنا جاء مبدأ “عين على القرآن وعين على الأحداث” أي أن ننطلق من القرآن في فهم واقعنا، وأن نقرأ الأحداث من حولنا بوعي وبصيرة، وأن نربط بين ما يجري في الميدان وما يحمله من دلالات سياسية وفكرية، حتى لا نبقى أسرى ردود الأفعال أو ضحايا التضليل.
ومن خلال هذا المشروع عرفنا أن الخطر الذي يواجه الأمة ليس عسكريًا فقط، بل أن ثقافة التبعية تمثل أحد أخطر التحديات التي تواجهها الشعوب، لأنها تجعلها تقبل بالخضوع وتتعامل مع الهيمنة باعتبارها أمرًا طبيعيًا. ولهذا نرى أن مواجهة هذا الخطر تبدأ ببناء الإنسان الواعي، القادر على التمييز بين مصالح أمته الحقيقية والمشروعات التي تسعى إلى إخضاعها.
وفي هذا السياق، يؤكد السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي يحفظه الله أن المشروع القرآني أثبت فاعليته في تحصين من يتحركون على أساسه من الولاء لأمريكا وإسرائيل والانخداع بهما. ونحن نرى أن أهمية هذا الجانب تكمن في أنه يمنح الإنسان القدرة على فهم طبيعة الصراع، ومعرفة الأطراف الفاعلة فيه، وعدم الانجرار وراء الشعارات التي تتناقض مع مصالح الأمة وحقوق شعوبها.
كما نؤمن بأن بناء الوعي والبصيرة يمثل ضرورة لا غنى عنها لاستعادة الأمة دورها، وأن تجاوز حالة الجمود والتفرج يحتاج إلى إرادة حقيقية في التغيير، وإلى مستوى من الوعي والحكمة والرشد يجعل الشعوب أكثر قدرة على اتخاذ مواقف مستقلة تجاه القضايا المصيرية.
وتعرفنا من خلال هذا المشروع أن الأمة مستهدفة، شئنا أم أبينا، وأن الاستسلام للأعداء لا يحمي الأوطان من الأخطار. ومن هذا المنطلق، نعتبر أن الدفاع عن الأمة يحتاج إلى الاستعداد والتضحية، وأن الشهداء الذين قدموا أرواحهم في سبيل الله والدفتع عن دينه ومقدساته سواء في اليمن أو مختلف بلدان محور المقاومة يمثلون نموذجًا للتضحية والثبات على الموقف الحق وعلى طريق القدس الذي ينتظر من جميع العرب أن يتحركوا نحوه ليحرروه من افعدو الحقيقي لهذه الأمة.
وفي موقفنا من اليهود والنصارى والغرب، تعلمنا من هذا المشروع أن نرفض التبعية للقوى التي نرى أنها تسعى إلى الهيمنة على المنطقة، ونرفض السياسات التي تستهدف إخضاع الشعوب أو التأثير في هويتها وقرارها المستقل. ونعتقد أن السيطرة على التعليم والإعلام والثقافة يمكن أن تتحول إلى أدوات للتأثير في وعي المجتمعات وتوجيهها بما يخدم مصالح القوى المهيمنة.
ومن هذا المنطلق، نرى أن المشروع الصهيوني يرتبط بتاريخ طويل من التدخلات الاستعمارية في المنطقة، وأن مواجهة آثاره لا تكون بالقوة العسكرية وحدها، وإنما بالوعي السياسي والثقافي، وإلى بناء مجتمعات قادرة على حماية هويتها ومصالحها.
وتبقى القضية الفلسطينية في مقدمة القضايا التي نعتبرها مسؤولية مشتركة للأمة العربية والإسلامية.
فنحن نؤمن بأن المنطقة لن تنعم بالاستقرار الحقيقي ما دام الاحتلال الإسرائيلي جاثما على فلسطين و مستمرًا في احتلاله لها، وما دام الشعب الفلسطيني محرومًا من حقوقه المشروعة.
ولهذا نعتبر أن مساندة الفلسطينيين والوقوف إلى جانبهم واجب ديني وأخلاقي وإنساني، فضلًا عن كونها قضية مركزية في رؤيتنا السياسية والدينية.
وفي هذا الإطار، نرى أنفسنا جزءًا من محور الجهاد والمقاومة، ونثمّن المواقف التي تتبناها قوى المقاومة في لبنان وإيران والعراق وفلسطين، ونعتبر أن مساندة غزة تمثل موقفًا عمليًا تجاه قضية لا يجوز أن تظل حاضرة في الخطابات وغائبة عن المواقف. وفي المقابل، ننتقد ما نراه من خذلان وتواطؤ وصمت لدى بعض الأنظمة العربية تجاه ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من عدوان ومعاناة.
وهنا يبرز السؤال الذي نريد من العرب أن يتوقفوا عنده، لماذا يحاربون مشروعًا يعلن رفضه للهيمنة الأمريكية والإسرائيلية، ويضع القضية الفلسطينية في صدارة اهتماماته، قبل أن يحاولوا فهم أفكاره وأهدافه؟ ولماذا تتحول الخلافات السياسية إلى خصومة تحجب القضايا المشتركة، وتجعل بعض الأطراف تقف في مواجهة من يفترض أنها تلتقي معهم في عدد من المواقف والمبادئ؟
نحن لا نقول إن تجربتنا فوق النقد، ولا نطلب من الآخرين أن يتبنوا مواقفنا دون نقاش، لكننا نريد أن يكون الحكم على على هذا المشروع قائمًا على فهم حقيقي لأفكاره ومواقفه، لا على الصور النمطية والأحكام المسبقة. فمن حق الآخرين أن يختلفوا معنا، ومن حقنا أيضًا أن تُفهم مواقفنا في سياقها الفكري والسياسي، بعيدًا عن الاختزال والتشويه.
إن ما نريد توضيحه للعرب هو أن قضايانا، كما نراها، تتجاوز حدود الصراع السياسي الداخلي، وترتبط بمستقبل الأمة واستقلال قرارها وموقفها من الاحتلال والهيمنة. ونحن نعتقد أن الخلافات بين أبناء الأمة لا ينبغي أن تتحول إلى سبب دائم للعداء، ولا أن تمنع الحوار حول القضايا التي يمكن أن تشكل أرضية مشتركة بينهم.
ولو عرف العرب حقًا ماذا نحمل لهم من مشاعر، وما الذي نعتقد أننا نتحمل مسؤوليته تجاه قضاياهم، لربما اختلفت نظرتهم إلينا، ولأدركوا أن فهم المشروع قبل الحكم عليه هو الطريق الأجدى للتعامل معه.
فنحن لا نطلب منهم أن يتفقوا معنا في كل شيء، وإنما نريد منهم أن يقرأوا ما طرحه الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي، وأن يستمعوا الى خطايات السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي، وأن يتأملوا المواقف التي ينطلق منها المشروع، وأن يميزوا بين الاختلاف في الرؤى والوسائل وبين القضايا الكبرى التي تمس مستقبل الأمة وكرامتها.
إن جوهر ما نريد إيصاله هو أن هذا المشروع الذي نؤمن به، ينطلق من رفض التبعية والهيمنة، والدفاع عن استقلال القرار، ومساندة القضية الفلسطينية، والعمل على بناء وعي يجعل الأمة أكثر قدرة على مواجهة التحديات. وهذه قضايا نعتقد أنها تستحق الحوار والفهم، لا أن تكون سببًا إضافيًا للعداء والانقسام.
إن خلافنا مع بعض المكونات من أبناء وطننا لم يكن يومًا نابعًا من أطماع شخصية، أو رغبة في تحقيق مكاسب مادية أو معنوية، أو سعي وراء منصب أو جاه أو سلطة، وإنما كان خلافًا على الموقف والقرار، وعلى مستقبل البلد واستقلاله وحق شعبنا في أن يقرر مصيره بعيدًا عن الوصاية والتبعية للخارج.
لقد اختلفنا معهم عندما رأينا أنهم ارتهنوا للخارج، وربطوا قراراتهم بإرادة قوى خارجية، وأرادوا إخضاع شعبنا لسياسات لا تنطلق من مصالحه ولا تعبّر عن تطلعاته. ومن هنا كان جوهر الخلاف “لمن تكون الكلمة الفصل في شؤون اليمن؟ للشعب اليمني وإرادته المستقلة، أم للقوى الخارجية التي تسعى إلى توجيه قراره والتحكم في مستقبله”؟
لم يكن خلافنا معهم لأننا نريد مكاسب لأنفسنا ونحرمهم منها، ولا لأننا نبحث عن امتيازات أو منافع خاصة، وإنما لأننا نرى أن استقلال القرار الوطني مبدأ لا يجوز التفريط فيه، وأن كرامة الشعب وسيادته ليستا موضوعًا للمساومة، فالمناصب تتغير، والمكاسب تزول، أما ما يترتب على ارتهان القرار الوطني للخارج فقد يمتد أثره إلى أجيال قادمة.
ونحن نؤمن بأن اليمنيين، مهما اختلفت توجهاتهم ومواقفهم، قادرون على إدارة خلافاتهم بالحوار والتفاهم، إذا تحرر قرارهم من الضغوط الخارجية، وأصبحت مصلحة الوطن هي الأساس الذي تُبنى عليه المواقف والقرارات.
أما على مستوى محيطنا العربي، فلم يكن هذا المشروع قائمًا على التوسع أو احتلال البلدان أو إخضاع الشعوب، وإنما يرى أن أمتنا تواجه أخطارًا مشتركة تستدعي توحيد الجهود لمواجهتها.
لكننا وجدنا أنفسنا أمام هجمة شرسة شنّها النظام السعودي ضدنا، بدعم أمريكي وغربي واضح وصريح، وفي سياق نراه متصلًا بالمصالح الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة، وقد تبنّى بعض الموالين له هذا التوجه، فشاركوا في التحريض والتشويه ، بدلًا من البحث عن نقاط الالتقاء والقضايا التي يمكن أن تجمعنا بأبناء أمتنا.
ومع ذلك، فإننا لا ننظر إلى خلافنا مع هذه الأنظمة والمكونات باعتباره نهاية الطريق، ولا نعتقد أن الصراعات الراهنة يجب أن تبقى قدرًا دائمًا بين شعوب المنطقة. فنحن نؤمن بأننا سنكون يومًا ما في جبهة واحدة، عندما يدرك الجميع أن الخطر الذي يهدد أمتنا لا يستثني أحدًا، وأن القوى التي تسعى إلى فرض هيمنتها على المنطقة لن تتوقف عند حدود بلد بعينه، بل ستمضي في توسيع نفوذها على حساب الجميع.
ومن هنا، فإن ما نتمناه هو أن يأتي اليوم الذي تتجاوز فيه شعوب المنطقة خلافاتها، وتدرك أن مصيرها مترابط، وأن أمن اليمن لا ينفصل عن أمن الجزيرة العربية، ولا عن أمن بقية البلدان العربية والإسلامية. فبدلًا من استنزاف قدراتنا في صراعات داخلية، كان الأجدر أن تتجه الجهود نحو مواجهة الأخطار المشتركة، وحماية استقلال دول المنطقة، وصون ثرواتها وقرارها السياسي من أي هيمنة خارجية.
ونحن نرى أن المعركة الحقيقية التي ينبغي أن تتوحد فيها جهود هذه الأمة هي معركة التحرر من الهيمنة، والحفاظ على القرار المستقل، ومنع القوى الخارجية من استغلال خلافاتنا لتوسيع نفوذها والتحكم في مستقبلنا. فالأمة التي تنشغل بصراعاتها الداخلية تضعف، بينما تستفيد الأطراف الأخرى من انقسامها لتحقيق مصالحها.
ولذلك، فإننا نؤمن بأن ما يجمعنا بأبناء أمتنا في نهاية المطاف أكبر مما يفرقنا، وأن اللحظة التي تتضح فيها طبيعة الأخطار المشتركة ستفتح الباب أمام مراجعة كثير من المواقف والحسابات.
وما نطمح إليه هو الوصول إلى مرحلة تدرك فيها شعوب أمتنا أنها معنية بمعرفة عدوها الحقيقي الذي وضع حلمه ومستقبله في السيطرة والتوسع على منطقتنا العربية تحت مسمى الشرق الأوسط الجديد الذي هو إمتداد لمشروع اسرائيل الكبرى الذي لا يخفى على أحد.