هوية ووعي وموقف

سند الصيادي

عاما بعد عام، وفي مشهد شعبي كرنفالي مهيب وواسع يجسد عمق الهوية الإيمانية المتجذرة في وجدان الشعب اليمني، تتصدر الحشود اليمنية مشهد إحياء ذكرى المولد النبوي الشريف على صاحبه وآله أفضل الصلاة وأزكى التسليم.

حضور جماهيري واسع بات يمثل محطة سنوية للتعبير عن الارتباط برسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وتجديد التمسك بالقيم والمبادئ التي حملتها الرسالة المحمدية، بقدر ما يعكس تحول المولد النبوي إلى مناسبة مركزية لإعادة إنتاج الوعي الجمعي بالهوية الدينية والوطنية، وإبراز الموقف من قضايا المنطقة.

تحولت هذه المناسبة في الوعي الشعبي اليمني إلى مناسبة جامعة تستحضر فيها الأمة اليمنية هويتها، وتستعيد من السيرة النبوية معاني العزة والكرامة والصمود والمسؤولية، في مواجهة واقع إقليمي ودولي تتشابك فيه مشاريع الهيمنة والصراع على القرار والثروات والمقدرات، ومن هنا، فإن الحشود المليونية تعبر عن حالة وجدانية وفكرية تمثل امتداد للهوية الإيمانية، ورغبة في تحويل هذه الهوية إلى وعي عملي يرفض الظلم والاستعباد والتبعية.

الكثير من الرسائل السياسية والمجتمعية التي تصدرها هذه المناسبة، بقدر ما تؤكد أن القضايا التي يتبناها الخطاب الرسمي تجد صدى واسعاً لدى قطاعات كبيرة من المجتمع، فأن هذه الحشود، تمنح زخماً إضافياً للمواقف التي تتخذها القيادة، إذ حملت الحشود الملايينية الشعبية رسائل دعم للمواقف التي تتخذها القوات المسلحة اليمنية، ورسائل تحذير من تداعيات استمرار السياسات العدائية تجاه اليمن والأمة العربية والإسلامية.

وفي ظل العدوان والحصار السعودي القائم على البلاد، فإن خطاب السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي يضع النظام السعودي أمام مسؤولية التعامل مع تداعيات أي تصعيد أو تحشيد عسكري، محذراً من أن استمرار التوتر قد يفتح الباب أمام مرحلة أكثر تعقيداً في المنطقة.

ولقد حمل الخطاب دعوات للتمسك بالمنهج القرآني بوصفه أساساً لبناء الوعي والبصيرة، وتحصين المجتمع من الاستلاب الثقافي والسياسي، وتعزيز القدرة على اتخاذ المواقف المستقلة بعيداً عن الإملاءات الخارجية، واستحضار مسؤولية الأمة تجاه قضاياها الكبرى، وفي مقدمتها مواجهة الظلم والاحتلال والهيمنة، والتمسك بالاستقلال والكرامة ورفض التبعية.

وكالعادة، تبقى فلسطين في صدارة القضايا التي يؤكد اليمنيون ثبات موقفهم تجاهها، باعتبارها قضية شعب وأرض ومقدسات، وليست ملفاً سياسياً قابلاً للتجاوز أو المقايضة، ووفق رؤية يمانية تقوم على أن قضايا المنطقة مترابطة، يرسخ الخطاب اليمني على المستوى القيادي و الشعبي مفهوم «وحدة الساحات» باعتباره إطاراً للتضامن بين القوى المناهضة للاحتلال والهيمنة في المنطقة، مع التأكيد على استمرار مساندة حركات المقاومة في فلسطين ولبنان والعراق، ومواجهة مشاريع الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية، و التضامن مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

أسهمت التطورات الأخيرة في إبراز اليمن لاعباً مؤثراً في معادلات الصراع بالمنطقة، وهذا الاحتفاء بالمولد النبوي الشريف في اليمن لا ينفصل عن خصوصية التجربة التاريخية للمجتمع اليمني، الذي ارتبط منذ وقت مبكر بالسيرة النبوية وبالرسالة المحمدية، وجعل من هذه المناسبة مساحة لاستحضار القيم الدينية والأخلاقية والاجتماعية التي جسدها الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم.

وفي المحصلة، يأتي المولد النبوي الشريف هذا العام في ظل تحولات إقليمية عميقة، ليؤكد اليمنيون من خلاله أن المناسبة بالنسبة إليهم احتفالاً بذكرى، ومحطة لتجديد الانتماء للرسول الأعظم، واستحضار مسؤولية الأمة تجاه قضاياها، والتمسك بالكرامة والاستقلال، وترسيخ موقف ثابت من فلسطين وقضايا المنطقة.

وهكذا تتكامل في المشهد اليمني ثلاثة أبعاد متلازمة: هوية إيمانية تستمد جذورها من الرسول الأعظم، ووعي سياسي يقرأ طبيعة الصراع، وموقف شعبي يرى في الثبات وسيلة لحماية الحقوق والسيادة.

ورسالة ذكرى المولد كما يراها اليمنيون: أن الاحتفال يعزز المعرفة بصاحب المناسبة ، ويحول الإيمان برسالته إلى سلوك وموقف ومسؤولية تُصان بالوعي والثبات والعمل.