ميلاد الرسول الأعظم ميلاد أمة بأكملها

يحيى صالح الحَمامي

ميلاد الرسول الأعظم -صلى الله عليه وآله وسلم- هو الإشراقة التي وُلِدت معها أمة بأكملها، والقبس المحمدي الذي هدى البشرية وانتشلها من وحل الجهل والضلال إلى رحاب الحق والبصيرة؛ فكانت تلك الهداية منّة إلهية أورثتنا العزة والكرامة التي ارتضاها الله ورسوله لنا.

ومما يبعث في نفوسنا نحن أبناء اليمن، الشرف والفخار، ما نعيشه اليوم من حرية واستقلال ديني، ما كان ليتحقق لولا ثمار الصبر والتضحية والجهاد الصادق مع الله، وإننا لنستشعر هذه النعمة في ظلال الأمن والأمان ونحن نحيي هذه المناسبة بكل أريحية دون اعتراض أو محاربة، حيث تأتي المسيرات المليونية في كل ساحة وميدان، وتتنقل المسيرات الضوئية الليلية بين المديريات البعيدة، وتسير المواكب الإيمانية القرآنية تقطع الجبال والشعاب وتهبط الوديان في طمأنينة تامة، خالية من أيّ خوف أو قلق من كمين أو تقطع، في صورة تجسد العزة والكرامة التي جاء بها المشروع القرآني العظيم.

وفي المقابل، نجد شعوبًا كثيرة يُسلب منها حق التعبير عن فرحتها بمولد سيد الخلق، فيتعرض من يحتفي به للتوقيف والمساءلة، بل قد يُحاكم في بعض البلدان كمجرم ويُنفذ بحقه القصاص، في انتهاك صارخ لحرية الإنسان المسلم داخل وطنه بلا رقيب أو حسيب، ويتجلى هذا الاضطهاد والظلم حتى في بلاد الحرمين الشريفين، التي يدعي حكامها خدمتهم للحرمين، بينما تناسوا أن الإسلام قدس دم المسلم؛ حيث جعل الله ورسوله لدمه حرمة عظيمة، وجُعل هدم الكعبة حجرًا حجرًا أهون عند الله من إراقة دم امرئ مسلم.

لقد كان المولد النبوي الشريف ميلاد حياةٍ لأمةٍ أُنقذت به من الجاهلية الأولى، حيث كانت تُسلب أرواح الأبرياء وتُدفن الفتيات أحياءً خوفًا من العار؛ فجاء الإسلام ليعيد للمرأة حرمتها ويضمن لها حق العيش الكريم، مؤكدًا أنه دين العدل والحق وحرمة الدماء.

وقد أحصى الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم كل مقومات الطهارة والتربية والأخلاق، ورسم حدود الحقوق حتى داخل الأسرة الواحدة بين الذكر والأنثى، من النشأة الأولى، مرورًا بالزواج، وحتى ما بعد الطلاق؛ فالقرآن الكريم هو نور البصيرة ودليل الهداية الذي يضمن الحقوق في الحياة وبعد الممات، ومن تمسك به لن يضل ولن يشقى.

وعلى الرغم من أن ميلاد الرسول الأكرم هو ميلاد أمة، إلا أننا نرى اليوم ما آلت إليه الأمة من وهن وضاعف؛ إذ أضحت قياداتها تشتري الذل والفساد بأموال شعوبها من الغرب الذي يتقاضى الثمن من ملوك وحكام عرب يتسابقون على الخيانة، وإن جاهلية هذا العصر لأعتى وأطغى، وأشد ظلمًا وأكثر سفكًا للدماء من الجاهلية الأولى.

ولقد تكشّف أمر أولئك الحكام الذين يتسمون بألقاب رنانة كـ”خدام الحرمين”، فتبين أنهم أعداء للإسلام، يغامرون ويقاتلون في معارك لا تجلب لهم نصرًا، وإنّما تصب في نهاية المطاف لصالح اليهود والنصارى؛ فكانت أموالهم وسياساتهم وطعناتهم القاسية في خاصرة الإسلام وظهر المسلمين، مصداقًا لقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۚ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا}.