اليمن قوة الحق وتحقيق القوة بحرب وجود

د. محمد هزيمة

تشهد منطقة الخليج مرحلة جديدة من الحرب بعد تجدّد المواجهة على خط جبهة السعودية – اليمن المحكومة باتفاق خفض التصعيد بعد عاصفة الحزم التي اعتدت فيها السعودية مع تحالف دولي على سيادة اليمن دون اعتبار انها دولة مستقلة، تجاوزت فيها الرياض سياسة الجوار بين بلدين متداخلين سكانيًا تربطهم أواسط قربى بامتدادات عائلية وأكثر، قبل الحديث عن الدين واحترام سيادة الدول، وعدم التدخل بشؤونها الداخلية تحت أيّ عنوان أو ذريعة ضوابط لم تحترمها السعودية يومًا على مستوى العالم العربي.

وقد جيرت كل ما تطاله يد حكامها بخدمة الغرب وفق الإرادة الأميركية- الغربية التي أوجدت أساسًا السعودية وأخواتها من كيانات الخليج بأدوارها الوظيفية وحكومات أدوات بمشروع السيطرة على أرض النفط وحقولها، بما تحوي من ممرات مائية وبرية حتى سكانها، تستثمر فيها الشركات الغربية باختلافها، وتبقيها شعوب استهلاكية “تطيع الحاكم”، تخدم سلطانه المغلف باسم دين مشوّه.

وأَلّبِس الإسلام ثوب إرهابٍ بسلاح التكفير، ومذهب الصراع، لحرفه عن القضية الأساس وعنوانها: “فلسطين” التي تجاوزت الزمان وجغرافية المكان لتحافظ على ثوابت الأمة التي نجح الاستعمار في تحويلها أُمَّم متصارعة عرقيًّا ومذهبيًّا بفضل السعودية وأقرانها من أنظمة البترودولار، التي شكّلت بحكوماتها قاعدة تضمن سيطرت الغرب على المنطقة بأكملها من حقول نفطية، غازية، وثروات معدنية، ومعها ممرات بحرية.

مقابل حماية وجود ممالك وإمارات تتناقل المهمة قبل وراثة الكرسي تلبس الخنوع قبل التاج، وموقع المسؤولية بعملية يرعي الأمريكي انسيابها ويضمن بقاءها طالما تخدم مصالحه كقائدٍ للعالم الغربي، وريثًا لبريطانيا بعد خسارة قناة السويس، متفردًا بصناعة الأحداث وتقييم المراحل بما يخدم سيطرة واشنطن، امبراطورية تحكم العالم وتتحكم باقتصاد الدول وتمسك بشرايين الطاقة.

ويربط الدولار بالإنتاج النفطي ليمارس حروب اقتصادية وحرب حصار، بسجلٍ حافل بالحروب أطبق غَيّهُ على العالم إلا ما ندر من دول، من روسيا إلى الصين وكوريا الشمالية، وصولاً إلى إيران الثورة، والتي فشلت الحرب على جغرافيتها لتكتب بداية هزيمة أمريكا ممهورًا بتاريخ حافل بالفشل الأميركي الكامل، مدموغًا بجرائم حرب وإبادة وكلاء وأدوات إضافةً لحصار وسيف عقوبات وثورات تخريبية دمرت بلدان لتكون شاهدًا على إجرام أكبر منظمة إرهابية اسمها أميركا.

وهذا ليس بالمجاز؛ فأمريكا هي صاحبة السابقة الأولي بالعالم التي اعتمدت على الإرهابيين المتشدّدين الذين عرفوا بالأفغان العرب بقيادة “بن لادن” بتمويل سعودي وفتاوى وهَّابيّة خلال الحرب مع روسيا على الأراضي الأفغانية التي أسست لمرحلة سقوط الاتحاد السوفياتي ودخول الأميركي على رأس تحالف إلى منطقة الخليج التي انتقلت من مرحلة استعمار اقتصادي سياسي إلى احتلالٍ كامل بعشرات القواعد العسكرية.

تحمي إنتاج النفط خدمةً للاقتصاد العالمي الذي تسيطر عليه أميركا بشركاتها ودولارها الذي أفرط بضرب مقومات المجتمعات ونجح بحرفها عن تاريخها، متغلغلا داخل بيئة سرقها من تاريخها، ودفن قيمها والمبادئ التي كانت تحكمها وتنظم وجودها الذي انقرض كليًّا لصالحه، عبر حكومات وظيفية أودعها على رأس شعوب تائهة تحكم أجيال مخدّرة، بعدما أودع قرارها وارصدتها بمتناول يده التي توغلت عميقًا بلباس الدين وعصبية قومية مذهبية، عرقية وفتنة تحرك غرائز توسع المسافة بين الواقع والحاكم والشعب.

والحقيقة التي تحوّلت طاعة وخنوع تطيع الأوامر ولا تقررها كما هو واقع السعودية اليوم باستمرار حصارها المفروض أميركيًّا على الشعب اليمني، باعتداء واضح للقوانين الدولية والمواثيق التي تحكم الدول والاتفاقات بما فيها خفض التصعيد، والذي تتعنت السعودية بتنفيذ مضمونه وتطبيقه بما يخدم استقرار المنطقة بأكملها ويقطع الطريق على حرب خاضت غمارها الرياض وخرجت تجر أذيال الخيبة منها.

حرب أثبت فيها اليمن أنه قوة متكاملة بقدرات عالية ومقدرات يصعب مواجهتها وهذا بحدّ ذاته يزيد من صعوبة الحرب ويحولها مكلفة ضيقت الخيارات على الرياض أمام تغير التوازنات العسكرية في المنطقة وتبدلها؛ نتيجة جغرافية سياسية تبدلت مع تراجع تأثير الأميركي ونفوذه وفشله بحماية قواعده العسكرية، وقبلها كيف أُجبر على توقيع اتفاق بحري مع اليمن على خلفية هزيمة مباشرة تلقاها في البحر.

في مؤشرٍ على تبدل خرائط التوازنات العسكرية، واعادت رسم النفوذ ضمن صراع مشاريع، اليمن جزء من محور يمتد من غرب آسيا، ويصل للبحر المتوسط، فيه أوراق قوة من هرمز إلى باب المندب والبحر الأحمر، “مثلث برمودا” اقتصادي سياسي عسكري أجبر ترامب البحث عن مخرج نتيجة توسع مسرح العمليات ووصوله لعقد لوجستية بإدارة حرب تكاملت فيها الساحات ضمن جبهة مواجهة واحدة.

أعدت فيها صنعاء نفسها لمرحلةٍ صعبة بما يتناسب مع الواقع والظروف، بمعركةٍ لا يمكن التهاون معها ولا تحمل انصاف حلول لن يبدل نتائجها تحالف مكة الهجين والذي تحاول السعودية الاستعاضة فيه عن عجز الأميركي وتراجع دورها، لكن إدارة الصراع مختلفة والمطالب محقة ومشروعة وكلفة الحرب مرتفعة وإطالة أمدها تفاقم الخسائر وتحوّلها إلى عبئ يستحيل تحمله بعد سيطرة اليمن على باب المندب والدخول بمعادلة الحصار بالحصار.

استراتيجية غيرت قواعد اللعبة بمرحلة صعبة على المستوى الاقتصادي وقطع شرايين النفط والغاز، وأظهرت مكانة اليمن وقدرته العسكرية ووعي قيادته التي مدّت اليد وترفعت كثيرًا ومارست مزيد من الصبر ولم تطلب أكثر من حق تحميه قوة، تعمل لرفع المعاناة عن شعب محاصر محروم الغذاء ممنوع الدواء، بمقابل معتدي يعيش الرفاه ويقدم ثرواته للأميركي، يدفعها جزية وبدل حماية أخفقت بحماية نفسها، ويصر على سياسة الوصاية بحسابات لا تنسجم مع واقع اليمن الثورة التي لم تقحم مطالبها الداخلية خلال دعم غزة واسناد شعبها ومحاصرة الكيان المجرم الذي ارتكب هولوكوست على أرض فلسطين.

وقف أمامها العالم صامت، ودول الخليج متآمرة بمعظمها بالوقت الذي كانت فيه القوات المسلحة اليمنية تغير قواعد المعركة البحرية بخبراتها وتراكمها لخدمة الأمة وثوابتها، وصدى أصوات الساحات وبرعاية قيادة شجاعة تعرف كيف تصنع النصر وتحرر الأرض وتكسر الحصار وكيف تستعيد حقوقها بالقوة.