hajjahnews

انقلاب الموازين الأخلاقية في القرار السعودي

عبدالله عبدالعزيز الحمران

تستدعي الفطرةُ الإنسانية والمنطقُ السليم قراءةً متأنية لمنظومة العلاقات والواجبات قبل كل شيء.

فإذا كان لك جار يشاركُك الدينُ واللغة والدم والتاريخ، ولا يفصلك عنه إلا جدار واحد، ثم ألمت به الخطوب والنوازل، فإن العقل والشرع وأعراف العرب القديمة أجمعت كلها على قاعدة واحدة: الجار أولى بالمعروف، والمساندة تبدأ من محيطك الأقرب.

غير أن قراءة السلوك السياسي للقرار السعودي تظهر انحرافاً بليغاً عن هذه الثوابت، حيث تجسدت مفارقة تدعو للتأمل في آن واحد.

فالغريب والبعيد جغرافياً وقيمياً، كالجانب الأمريكي والصهيوني، يحظى بالحظوة والدلال لدى النظام السعودي، وتُفتح له الأبواب، وتُساق إليه المليارات، وتُبسط له أسباب التودد والولاء.

وفي المقابل، نجد أن النصيب الموجه للجار والقريب المسلم لم يكن سوى السهام والدمار والحصار والضغط العسكري والاقتصادي.

وهنا يبرز التساؤل المشروع: أي شرع أو عرف يبرر نصرة البعيد الغاصب على حساب الجار العربي والمسلم؟

فأين ال سعود من الشريعة الإسلامية التي صاغت ترتيب العلاقات الإنسانية وحسن الجوار بميزان دقيق، وحذرت من الانحياز للأعداء على حساب أهل الدار والإيمان.

وقد جاء في التنزيل الحكيم الحث الصريح على رعاية حق الجار والقريب في قوله تعالى: “وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ”، حيث قُدم حق الجار والقريب على ما سواه.

كما ورد التحذير الإلهي الشديد من تولّي الأعداء والاستقواء بهم في قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ”.

وتكتمل الصورة ببيان مآلات التخلي عن هذا الميزان في قوله تعالى: “إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ”.

إن النتيجة الكارثية لقلب هذه الموازين الشرعية والإنسانية هي كارثية وهذا ما يشتهيه الأعداء تماماً؛ إذ تترتب على ذلك تفتيت المنطقة، وتحويل ثروات الأمة وإمكاناتها إلى خزائن الغريب، بينما يسود الدمار والشتات بين الأشقاء والجيران.

إن العودة إلى الفطرة، والانحياز للحق وللأشقاء، وقطع أسباب التبعية للخارج، ليست مجرد خيار سياسي متاح، وإنما ضرورة أخلاقية وإنسانية وفرض لا محيد عنه لاستعادة توازن المنطقة واستقرارها.