hajjahnews

فاتورة الحصار تعود للرياض: قوة المعادلة اليمنية تفرغ الموانئ السعودية وتضع النفط تحت الحظر العسكري

تقرير

يمثل إعلان القوات المسلحة اليمنية فرض حظر بحري شامل على النظام السعودي خطوة مفصلية تنقل معركة كسر الحصار من مربع المطالب السياسية إلى مربع الفرض الميداني المباشر. إن هذا القرار الاستراتيجي لا يعبر فقط عن حالة نفاد الصبر الشعبي والعسكري تجاه سلوك المماطلة والالتفاف الذي يمارسه العدو السعودي منذ سنوات، بل يؤسس لتقويم ميداني جديد يربط استقرار الملاحة والإمدادات الحيوية للعدو بإنهاء كلي وشامل للحصار المفروض على الموانئ والمطارات اليمنية، لتبدأ مرحلة جديدة من المواجهة تضع آل سود أمام استحقاقات مصيرية.

لقد أوضحت المعطيات الميدانية والسياسية أن الرهان على الدبلوماسية المعطلة ورسائل التهدئة لم ينتج سوى إطالة أمد المعاناة الإنسانية واستنزاف المقومات المقاومة، وهو ما دفع القيادة العسكرية بالاستناد إلى التفويض الشعبي العارم في مليونية “التحذير والنفير” إلى الانتقال لخيارات الهجوم الاستراتيجي. هذا التحول يشير بوضوح إلى أن القوات المسلحة لم تعد تقبل بصيغ الهدن غير المعلنة التي يستغلها العدو لإعادة ترتيب أوراقه، بل قررت نقل الكلفة الاقتصادية والعسكرية للحصار إلى داخل بيئة العدو الاستراتيجية مباشرة وبلا تردد.

خنق الممرات ورسائل النار
يعتمد هذا القرار على واقع ميداني أثبتت فيه القوة البحرية والسلاح الجوي المسير كفاءة عالية في تعطيل شريان الملاحة بالكامل؛ إذ تشير البيانات الميدانية إلى نجاح صنعاء خلال المواجهات الممتدة في تعطيل أكثر من 70% من حركة السفن المرتبطة بالأعداء عبر مضيق باب المندب والبحر الأحمر. يمتد هذا الحظر اليوم ليشمل الموانئ السعودية الرئيسية على البحر الأحمر، وفي مقدمتها ميناء جيزان وميناء الملك فهد الصناعي بينبع الذي يعد شرياناً استراتيجياً لتصدير ما يزيد عن 1.5 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمشتقات البترولية.

إن إدخال هذه الموانئ ضمن نطاق الاستهداف المباشر يعني وضع حركة الصادرات والواردات السعودية تحت خط الحصار الفعلي، وهو ما يهدد برفع أسعار تأمين السفن المتجهة إلى الموانئ السعودية بنسب قد تتجاوز 300% وفق تقديرات أسواق التأمين البحري العالمية عند تصاعد المخاطر. إن إغلاق الممرات المائية أمام الحركة التجارية السعودية لا يمثل مجرد إعاقة للملاحة، بل هو ضربة مباشرة للركائز الاقتصادية التي يعتمد عليها النظام السعودي لتغذية مشاريعه التحولية الاستنزافية.

كما أن استهداف الحركة البحرية للسعودية يلغي الميزة الجيوسياسية التي حاول النظام الاستفادة منها عبر تحويل جزء من حركة شحناته النفطية من الخليج العربي إلى البحر الأحمر عبر خط أنابيب (شرق – غرب) بطاقة تصديرية تصل إلى 5 ملايين برميل يومياً. وبفرض معادلة “الحصار بالحصار”، تصبح الأنابيب والموانئ على الساحل الغربي للمملكة تحت مرمى الصواريخ المجنحة والزوارق المسيرة ذات القدرة التدميرية العالية، مما يفرغ الاستراتيجيات السعودية البديلة من مضمونها ويضع الاقتصاد السعودي في اختناق كامل.

خيارات الرد والتصعيد الشامل
تستند تحذيرات القوات المسلحة بشأن التصعيد الشامل إلى سجل عملياتي سابق أثبت دقة وصول الأسلحة اليمنية إلى عمق المنشآت الاقتصادية والحيوية للعدو. ويبرز في هذا السياق الهجوم الشهير على معملين لشركة أرامكو في “بقيق وخريص”، والذي أدى حينها إلى توقف أكثر من 5.7 مليون برميل من إنتاج النفط اليومي للمملكة، وهو ما يعادل نحو 50% من إجمالي إنتاجها النفطي آنذاك، إلى جانب العمليات الهجومية المتعددة التي طالت مصافي النفط في الرياض ومحطات التوزيع في جدة.

إن الترسانة العسكرية التي تمتلكها صنعاء اليوم، وفي مقدمتها الصواريخ الفرط صوتية من طراز “فلسطين” و”حاطم” والمسيرات المتقدمة مثل “صماد 4″، تمتلك مدى عملياتياً يتجاوز 2000 كيلومتر بقدرات تتبع وتملص عالية من المنظومات الدفاعية الأمريكية والأوروبية. إن أي حماقة سعودية ستجعل المرافئ النفطية ومحطات تحلية المياه الشاطئية في الشقيقة والصناعية بالجبيل ينبع تحت خطر التعطيل الدائم، مما يعني نقل معركة الحصار لتصبح أزمة وجودية لإنتاج الطاقة والخدمات الأساسية داخل المملكة.

إلى جانب الأهداف الاقتصادية، يتضمن بنك الأهداف القواعد العسكرية والمطارات الإقليمية والدولية السعودية، كقاعدة الملك خالد الجوية في خميس مشيط ومطار الملك عبد العزيز الدولي بجده. وقد أظهرت تجارب المواجهة السابقة قدرة صنعاء على شل حركة الطيران المدني والعسكري لمناطق كاملة في السعودية لعدة أيام متواصلة، وهو ما يمنح تحذير البيان الأخير واقعية ميدانية تجعل من التصعيد القادم مواجهة غير مسبوقة في حجم خسائرها المباشرة وغير المباشرة.

السند الشعبي والتعبئة الشاملة
تجلى السند الشعبي لقرارات القيادة العسكرية في الخروج المليوني غير المسبوق في الجمعة الأخيرة ضمن مسيرات “التحذير والنفير”، والتي شملت أكثر من 300 ساحة رئيسية ومركزية في العاصمة صنعاء وبقية المحافظات. هذا الاحتشاد الجماهيري الذي ضمت ساحاته مئات الآلاف من المواطنين يمثل تفويضاً شعبياً وسياسياً كاملاً للقوات المسلحة لاتخاذ أقصى الخيارات العسكرية لكسر الحصار، ويؤكد على جاهزية الشارع اليمني لتحمل تبعات المواجهة الاستراتيجية الشاملة.

لم يقتصر التفاعل الشعبي على الخروج في الساحات، بل ترجم إلى خطوات ميدانية عبر استمرار الدورات العسكرية المفتوحة ضمن التعبئة العامة، والتي أثمرت عن تدريب وتأهيل مئات الآلاف من المقاتلين الجاهزين للإسناد المباشر للجبهات. إن هذا التلاحم العضوي بين القيادة والشعب يعكس إرادة صلبة ترفض معادلة “اللا حرب واللا سلم” وتصمم على نيل الحقوق بالقوة الردعية، مما يجعل الجبهة الداخلية لليمن حصناً منيعاً يمنح القرار العسكري استمرارية واستقراراً في أحلك سيناريوهات التصعيد.

استعادة الحقوق بالقوة الردعية
يتطابق البيان العسكري الأخير مع الأطر التي حددها قائد الثورة السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي في خطابه الأخير، والذي أكد فيه بوضوح أن استمرار الحصار السعودي وحرمان الشعب اليمني من ثرواته الوطنية وقطع مرتبات الموظفين لم يعد أمراً يمكن التسامح معه أو القبول باستمراره. وقد أوضح القائد أن حالة المماطلة وتأجيل الاستحقاقات الإنسانية والاجتماعية هي جزء من محاولات العدو لمواصلة العدوان بوسائل أخرى، شدد على أن النتيجة الطبيعية لهذا التعنت ستكون العودة إلى فرض الخيارات الميدانية.

وقد أشار السيد القائد في مجمل حديثه إلى أن استعادة الحقوق المنهوبة وفي مقدمتها رفع الحصار عن الموانئ والمطارات وتدفق عائدات النفط والغاز لصالح أبناء الشعب اليمني هي شروط لا تنازل عنها لاستقرار المنطقة. وإن تلبيتها لن تتم عبر المفاوضات العقيم، بل من خلال معادلات الصمود والضغط المباشر على الاقتصاد السعودي، باعتبار أن لغة القوة هي الوحيدة التي تفهمها قوى العدوان والسيطرة الإقليمية والدولية.

إن ربط البيان العسكري بخطاب القيادة يؤكد التناغم الكامل بين المسارين السياسي والعسكري؛ حيث يتحول التحذير اللفظي والسياسي الصادر عن القيادة الثورية إلى برامج وأوامر عملياتية ينفذها الميدان دون تردد. وبذلك تدخل معركة استرداد الحقوق مرحلة تنفيذية حاسمة تصبح فيها كلفة حرمة الشعب اليمني من حقوقه أعلى بكتير من قدرة النظام السعودي على التكيف أو التغاضي.

إعادة رسم الخرائط والتعقيدات المفتوحة
تؤشر هذه المعادلة الردعية الجديدة على دخول المنطقة مرحلة إعادة ترتيب أوراق معقدة؛ إذ لم تعد معادلات التحكم بالمسارات البحرية والاقتصادية محصورة في التحالفات التقليدية، بل باتت محكومة بمدى قدرة القوى الوطنية في صنعاء على فرض التوازن الميداني. وإن انتقال حظر الملاحة إلى الشرايين المائية للمملكة ينطوي على تداعيات تتجاوز الإقليم لتطال أمن سلاسل الإمداد العالمية للنفط والتجارة بين الشرق والغرب، مما يضع القوى الإقليمية والدولية أمام واقع ميداني جديد يتجاوز أطر الرقابة والتأثير المعتادة.

إن المسار المستقبلي يظل مرهوناً بكيفية قراءة القيادة السعودية لرسائل النفير وواقعية التطبيق العسكري للحظر البحري. وبين سيناريوهات الخضوع للاستحقاقات الإنسانية وإنهاء العدوان، أو الاندفاع نحو تصعيد شامل تزداد فيه مخاطر ضرب البنية التحتية، تظل الخيارات مفتوحة على تحولات استراتيجية عميقة في المنطقة، حيث يلتقي الحصار بالحصار وتصبح معادلات الردع المباشر هي المحرك الأساسي لمسارات الحرب والسلام.

21 سبتمبر