تقرير
تحولت العاصمة الإيرانية طهران، في اليوم الثاني لمراسم وداع قائد الثورة الإسلامية الشهيد السيد علي الخامنئي، إلى مركز ثقل سياسي وشعبي وإقليمي خارق للمألوف.
فالحشود المليونية التي غصّ بها مصلى الإمام الخميني وجامعة طهران لم تكن مجرد جموع مشيعين في مراسم عزاء تقليدية، بل تحولت إلى استفتاء شعبي متجدد واستعراض لقوة المحور، مرسلة رسائل سياسية حاسمة إلى العواصم الغربية، بالتزامن مع ردود فعل إيرانية حازمة ألجمت التدخلات الأمريكية، لتؤكد طهران أن رحيل القائد لن يغير من ثوابت الدولة الاستراتيجية.
طوفان بشري في “المصلى”.. والامتداد إلى العراق:
مع ساعات الصباح الأولى، تدفقت أمواج بشرية غير مسبوقة إلى مصلى الإمام الخميني بطهران، حيث وُضع نعش القائد الشهيد رفقة أفراد أسرته على منصة الوداع وسط أجواء من الهيبة والتلاحم.
هذا التدفق الشعبي المستمر وصفتْه المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية، فاطمة مهاجراني، بأنه: حدثاً سياسياً واجتماعياً وإقليمياً فارقاً:.
وأشارت مهاجراني إلى أن إقامة جزء من مراسم التشييع في العراق يحمل دلالات استراتيجية عميقة، تؤكد عمق الروابط التاريخية، الثقافية، والدينية بين شعوب المنطقة، معتبرة أن كل حدث يعزز تقارب الشعوب يمثل ركيزة أساسية لدعم السلام والاستقرار الإقليمي وتوسيع الحوار الاستراتيجي.
دبلوماسية المقاومة: إرث الشهيد يصيغ قواعد النظام الدولي:
وعلى الصعيد السياسي والدبلوماسي، أكد وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أن الفكر الاستراتيجي للشهيد السيد علي الخامنئي نجح في إرساء “دبلوماسية المقاومة”، وهي المقاربة التي غيرت موازين القوى في المنطقة، مبيناً أن هذا الإرث يمثل خارطة طريق للسياسة الخارجية مستقبلاً.
وفي تصريحات قوية، أوضح عراقجي أن هذه الدبلوماسية حققت عدة مرتكزات أبرزها:
– جعل التدخلات الخارجية في المنطقة باهظة الثمن وغير مضمونة العواقب.
– تمكين إيران من خوض الحوارات الدولية برأس مرفوع والمساهمة في صياغة قواعد النظام الدولي الجديد.
– استمرار السياسة الخارجية الإيرانية على ذات النهج القائم على الثبات والتعاون المشترك لا الهيمنة.
قاليباف يوبخ ترامب: إلتفت إلى فقراء بلادك!
ولم تخلُ أجواء التشييع من السجال السياسي الساخن؛ إذ وجّه رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، رداً صاعقاً ونارياً على تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي حاولت استغلال الحدث.
وفي خطاب شديد اللهجة، قال قاليباف: “من يعيش في بلد يعتمد فيه نحو 40 مليون شخص على قسائم الغذاء لا يحق له اتهام الآخرين بالجوع”، مضيفاً أن تصريحات ترامب ليست سوى إسقاط لواقع بلاده المأزوم، ومطالباً إياه بالاحتفاظ بنصائحه لنفسه، والالتفات إلى معدلات سوء التغذية والفقر المتصاعدة داخل الولايات المتحدة،.
مؤكداً أن موارد إيران وخياراتها الاقتصادية والعسكرية هي “شأن سيادي مطلق”.
أبعاد إقليمية: رهان على مستقبل مستقر
وعلى هامش مراسم الوداع والتكريم، التقى قاليباف برئيس مجلس الشيوخ الباكستاني، الذي أظهر تضامناً إقليمياً رفيع المستوى، مؤكداً على عمق العلاقات الاستراتيجية ومستقبل المنطقة بعد هذه الحقبة، حيث صرح قائلًا:
أرى مستقبلاً مشرقاً لإيران، ومع تقدم طهران وتجاوزها هذه المرحلة، سيزدهر السلام والاستقرار في المنطقة بأسرها”.
ختاماً :
تثبت طهران عبر هذا المشهد الجنائزي المهيب والسياسي المعقد، أن غياب القائد الشهيد لن يفت في عضد الدولة أو يغير من بوصلتها، بل إن طوفان الوداع الشعبي والمواقف السياسية والدبلوماسية الصارمة يمنح “دبلوماسية المقاومة” زخماً متجدداً.
إن الرسالة الأبرز التي انطلقت من مصلى طهران اليوم هي أن إيران، بجيشها وشعبها وحلفائها الإقليميين، باتت أكثر إصراراً على فرض معادلات استقرار جديدة في المنطقة، والتصدي لسياسات الغطرسة الدولية من موقع القوة والسيادة الكاملة.
يمني برس
