hajjahnews

نساء صنعن التاريخ.. حين أيقظن الضمير النائم

بشير ربيع الصانع

أيها الناس..

لطالما قيل إن التاريخ يكتبه الرجال، وإن المواقف العظيمة تصنعها السيوف، وإن البطولات تقاس بالدم الذي يُراق في ساحات الوغى.

لكنني أقف اليوم لأقول لكم: التاريخ أَيْـضًا تكتبه النساء، والمواقف العظيمة تصنعها الكلمات النابعة من قلوب مؤمنة، والبطولات تقاس أَيْـضًا بالصبر والثبات والإخلاص الذي تتحلى به أُولئك النسوة اللواتي خضن غمار المعركة، ليس بسيوفهن، بل بإيمانهن، وبصبرهن، وبكلماتهن التي أيقظت ضمائر الرجال، وغيرت مسار الأحداث، وأثرت في التاريخ.

في أزقة الكوفة.. وقفت امرأة ولم يخذلها الوفاء

حين تخلى أهل الكوفة عن مسلم بن عقيل، وتفرقوا عنه كالفراش، وتركوه وحيدًا في شوارعهم، بعد أن كانوا قد بايعوه بالآلاف، لم يبق له ملجأ إلا دار امرأة مؤمنة عرفت بالوفاء.

كانت طوعة، مولاة بني هاشم، امرأة آوت مسلم بن عقيل في بيتها عندما كان مطاردًا، وقدمت له الماء والسند، وهي تعلم خطورة الموقف.

لم تتردّد طوعة لحظة، ولم تخف من تهديدات عبيد الله بن زياد، ولم تخن الأمانة.

فأجارته، وسترته، وحمتْه، مع أنها كانت تعلم أن ابنها بلال قد خرج مع الناس، وأنها تقف وحدها في وجه جبروت السلطة.

طوعة كانت نموذجًا للوفاء حين يتخلى الرجال، ونموذجًا للشجاعة حين يسود الخوف، ونموذجًا للثبات حين ينهار الضعفاء.

هي المرأة التي علمتنا أن الوفاء لا يقاس بالعدد، وأن المواقف العظيمة لا تُصنع بالأجساد وحدها، بل بالقلوب التي لا تعرف الخيانة.

حين أيقظت دلهم ضمير زوجها.. كيف تغير مسار التاريخ؟

في طريق العودة من الحج، كانت القافلة تسير، وفيها زهير بن القين وزوجته دلهم.

كان زهير يكره أن يلتقي بالحسين عليه السلام، وكان يتحاشاه، ويبتعد عنه، ويغيّر طريقه كلما رأى قافلة الحسين تتجهُ نحوَه.

كان عُثمانيًّا، وكان يظن أن الابتعاد عن الحسين هو الخيارَ الأسلم.

لكن القدر شاء أن تنزل القافلتان في مكانٍ واحد.

فأرسل الحسين إلى زهير يدعوه للقائه.

فرفض زهير، وقال: “والله ما خرجت من مكة إلا خشية لقائه”.

كان رفضُه قاطعًا، وكان عازمًا على ألا يلتقيَ بالحسين، حتى لا يضطرَّ إلى اتِّخاذ موقف.

لكن زوجته دلهم، تلك المرأة المؤمنة الواعية، لم تقبل أن يبقى زوجُها على هذه الحال.

خرجت من خبائها، ووقفت أمامه، وقالت له كلمتَها التي غيَّرت مجرى التاريخ: “يا سبحانَ الله، أيبعثُ إليك ابنُ رسول الله ثم لا تأتيه؟ ما ضرُّك لو أتيته فسمعت كلامَه ورجعت؟”.

تلك الكلمات كانت كالصاعقة التي أيقظت ضميرَ زهير.

خرج من خيمته، وذهب إلى الحسين، وتحدث معه، وعاد وقد أشرق وجهَه، واستبشر قلبُه.

أمر بفسطاطه أن يحمل إلى الحسين، ثم ودَّعَ زوجته وقال لها: “أنت طالق، الحقي بأهلك، فإني لا أحب أن يصيبك؛ بسَببِي إلا خيرًا”.

وكان آخر عهده بها في الدنيا.

لقد غيَّرت دلهم مسارَ حياة زوجها في لحظة.

جعلته من العثماني المتحاشي، إلى المحب المجاهد، إلى الشهيد البطل الذي قاتل حتى نال شرفَ الشهادة في كربلاء.

هي التي أيقظت ضميرَه، وهي التي هدته إلى الطريق، وهي التي علَّمتنا أن الكلمة الطيبة الصادقة قد تكون أقوى من السيف، وأن تأثير المرأة قد يغير مصير رجل، بل قد يغير مسار التاريخ.

زوجة مسلم بن عوسجة.. حين جهزت ابنها بعد زوجها

لم تكن دلهم وحدَها.

فهناك نساءٌ أُخريات خضن غِمارَ المعركة بأرواحهن وأبنائهن.

زوجة مسلم بن عوسجة الأسدي، حين استشهد زوجُها في كربلاء، لم تكتفِ بالبكاء والحزن، فقد أخذت تشجِّعُ ابنَها خَلَف، ودفعته إلى الخروج للقتال إلى جانب الحسين.

وقالت له: “يا بني، اختر نصرةَ ابن بنت النبي على سلامة نفسك، وإن اخترت سلامتَك فلن أرضى عنك”.

وبرز خلف إلى المعركة، وقاتل حتى استشهد، وأُمُّه تناديه من خلفه: “أبشر يا ولدي، إنك ستسقى من ماء الكوثر”.

ثم جاء أهلُ الكوفة برأس خلف إلى أمه، فاحتضنت الرأس، وقبَّلته، وبكت، وبكى معها الحاضرون.

إنها أُمٌّ تعلم أن الجهادَ في سبيل الله لا يعرف التوقف، وأن الشهادةَ بداية حياة أُخرى، وأن الولاء للحسين هو الطريق إلى الخلود.

رقية الكبرى.. زوجة مسلم بن عقيل التي قدَّمت أبناءَها فداءً

ومن النساء المؤمنات اللواتي خرجن مع أزواجهن، وقدمْن أبناءَهن فداءً للحسين عليه السلام، السيدة رقية الكبرى بنت علي بن أبي طالب عليه السلام، زوجة مسلم بن عقيل.

بعد استشهاد زوجها مسلم بن عقيل، وقف الإمام الحسين عليه السلام يعزّيها، ويمسح على رؤوس أبنائها، ويعظِّم لهم الأجر.

فما كان من هذه السيدة الجليلة إلا أن قدمت أبناءَها فداءً للحسين، فخرج عبدُ الله بن مسلم بن عقيل إلى الميدان، وهو يقول: “اليوم ألقى مسلمًا وهو أبي، وعصبةً بادوا على دين النبي”.

قاتل عبد الله حتى استشهد، وأُمُّه تشاهدُ المشاهدَ الرهيبة ومصارعَ الأحبة على رمضاء كربلاء، وهي تصبر وتصابر وتحتسب ذلك في سبيل الله.

ثم خرج ابنها محمد واستشهد أَيْـضًا في كربلاء.

لقد كانت رقية نموذجًا للمرأة المؤمنة التي تقدم كُـلّ ما تملك في سبيل الله، والتي لا تتردّد في التضحية بأغلى ما لديها؛ مِن أجلِ الحق، والتي تعلم أن الشهادة في سبيل الله هي أعلى مراتب العز.

من الماضي إلى الحاضر.. دور المرأة في ساحات النضال والبناء

أيها الناس.. هذه النماذج هي دروس حية نتعلم منها في واقعنا المعاصر.

إن دور المرأة في نهضة الأُمَّــة لا يقل أهميّة عن دور الرجل، فقد يفوقه في بعض الأحيان، حين تتحلى المرأة بالوعي والإيمان والقدرة على التأثير.

في زماننا هذا، ونحن نواجه تحديات كبرى، ونحن في ساحات النضال والبناء، نحتاجُ إلى نساءٍ مثل طوعة، تعرفن معنى الوفاء والثبات، ومثل دلهم، تعرفن كيف يوقظن الضمائر، ومثل زوجة مسلم بن عوسجة، تعرفن كيف يربين أبناءهن على الجهاد والتضحية، ومثل رقية الكبرى، تعرفن كيف يقدمن الغالي والنفيس في سبيل الله.

إن نساءنا هن المجتمع كله، وهن صانعات الأجيال، وهن المعلمات الأوليات، وهن اللواتي يغرسن في نفوس أبنائهن حب الدين، ويغرسن في قلوب أزواجهن روح التضحية والجهاد.

فإذا صلحت النساء صلح المجتمع كله، وَإذَا فسدت النساء فسد المجتمع كله.

رسالة إلى نساء الأُمَّــة

إنني أوجه رسالتي هذه إلى كُـلّ امرأة مؤمنة في هذه الأُمَّــة، أقول لها: أنت قادرة على صُنْع التاريخ، وقادرةٌ على تغيير المجتمعات، وقادرةٌ على إيقاظ الضمائر، وقادرةٌ على تربية الأجيال.

لا تقللي من شأن نفسك، ولا تظني أن دورَك محدودٌ في البيت فحسب.

أنتِ مدرسة إذَا أعددتها أعددت شعبًا طيب الأعـراق.

في هذه المرحلة العصيبة التي تمر بها أمتنا، نحتاج إلى نساء يربين أبناءهن على حب آل البيت، وعلى الولاء لهم، وعلى الجهاد في سبيل الله، وعلى عدم الخوف في الله لومة لائم.

نحتاج إلى نساء يربين أبناءَهن على الكرامة والعزة، ويرفضن الذل والهوان.

نحتاج إلى نساء مثل دلهم، يوقظن ضمائرَ أزواجهن، ويذكرونهن بمسؤولياتهم تجاه دينهم وأمتهم.

نحتاج إلى نساءٍ مثل طوعة، يوفين بالعهود، ويستجرن المحتاجين، وينصُرْنَ الضعفاء.

نحتاج إلى نساءٍ مثل رقية الكبرى وزوجة مسلم بن عوسجة، يربين أبناءَهن على البطولة والشهادة، ويقدمن الغاليَ والنفيسَ في سبيل الله.

أيها الناس..

إن قصةَ نساء كربلاء هي منهجُ حياة، ودروسٌ نتعلَّمُها، وقِيَمٌ نتمسَّكُ بها.

إن هؤلاءِ النسوةَ صنعن التاريخَ، وغيّرن مسارَ الأحداث، وكن قُدوةً حسنةً للأجيال القادِمة.

فليكُنْ لنا فيهن أُسوةً، ولنستلهمَ من صبرهن وثباتهن وإيمانهن القوةَ والعزيمةَ، ولنعمل جميعًا، رجالًا ونساءً، على بناء أُمَّـة قوية، متمسكة بدينها، وفية لأهل بيت نبيها، قادرة على مواجهة التحديات، وصناعة المستقبل.

وإن العاقبة للمتقين، وإن النصر للمؤمنين.