يحيى صالح الحَمامي
تمثل كربلاء نموذجًا حيًّا كاشفًا لعواقب التفريط في الوعي القرآني والمفهوم العام للرسالة الإلهية؛ فالدين الإسلامي الحنيف ارتكز على أَسَاس التحرك بالعدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ونحن نرى اليوم تمزُّقَ الأُمَّــة وغيابَ مسؤوليتها في الحفاظ على هذا الدين، ولنا في ذكرى التاريخ غُصة الظلم الجائر الذي حاق بعترة رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكيف تحولت أسرة آل البيت إلى مستهدَفين من بعد وفاة سيد الخلق، على الرغم من الوصية والعهد الصريح في يوم الغدير حين رفع النبي يد الإمام علي عليه السلام قائلًا “من كنت مولاه فهذا علي مولاه”.
ومما يدعو للعجب والأسى أن نرى الأُمَّــة اليوم تقسم ولاءَها وتفرّط في تولي أعلام الهدى، وتنزلقُ بوعيها تحت تأثير مخطّطات وثقافات دُست في كتب مهجَّنة بطابع يهودي خبيث، جعلت البعض يصلي ويصوم وفي قلبه عداءٌ لآل البيت، وكأن مشروع الرسالة انتهى بوفاة الرسول ولا حقَّ لعترته سوى التهميش ومواجهة الأحاديث المفبركة التي تخدم حكام الجور.
حقيقة النهضة الحسينية وأبعاد الفاجعة الكبرى
لقد كان الإمام علي (عليه السلام) نتاج تربية رسول الرحمة وصهره الملازم له.
وتحَرّك الإمام الحسين (عليه السلام) كان ذروة الحرص على جوهر الدين ومبادئه؛ فالحقيقة الساطعة هي أن آل بيت المصطفى هم أحرص الناس على عزة الأُمَّــة، ومع ذلك كان جزاؤهم السيف والقتل العنيف والتشريد.
ونحن نرى في يوم عاشوراء حادثتين تاريخيتين تحملان دلالات عميقة وعبرة بليغة للأجيال؛ الأولى تتجلى فيها قوة الله سبحانه وتعالى بنصرة المؤمنين وإسقاط الطغيان من خلال إغراق فرعون وجنوده عند خروج نبي الله موسى (عليه السلام)، والثانية هي الفاجعة الكبرى المؤلمة التي تجسد فيها الطغيان والوحشية الأموية بما أقدم عليه يزيد بن معاوية الذي خرج بجيش جرار لقتل الإمام الحسين ومعه اثنان وسبعون شخصًا فقط من خيرة المناصرين، ليستبيح الدماء الطاهرة ويسبى نساء بيت النبوة عندما غفلت الأُمَّــة عن دينها وسقط وعيها الجمعي.
انتصار الطغيان المادي وتبعات غياب الوعي الإيماني
لقد انتصر الطغيانُ المادي على الحق في كربلاء والسبب الرئيسي هو التفريطُ في الوعي وعدم تحمل المسؤولية الإيمانية والجهادية في الإسلام، مما تسبب في زعزعة استقرار الأُمَّــة بعد تلك الجريمة الشنعاء.
ومن العجيب والمؤسف أن نجد في عصرنا الحالي، وتحديدًا في هذا العام 2026م، من يتقدمون صفوف المصلين ولا يزالون يترضون على يزيد ومعاوية، متناسين مواقف الإمام علي الإيمانية والعدلية العظيمة التي ثبتت أركان الدين.
إن هذا التناقض والولاء الأعمى يمثل خسارة حقيقية في الدنيا والآخرة، وينطبق على هؤلاء المفرطين قول الله تبارك وتعالى في محكم كتابه العزيز:
(قل هل ننبِّئُكم بالأخسرين أعمالًا الذين ضلَّ سعيُهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يُحسِنون صُنعًا، أُولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالُهم فلا نقيمُ لهم يومَ القيامة وزنًا).
