hajjahnews

تدخل اليمن: استباق لا انسياق

إبراهيم يحيى الحكيم

أكد اليمن الحر مجددا، رفضه القاطع قواصم “الاستسلام” الاستباحية المغلفة لمزاعم “السلام” الوهمية، وحسم جدال التكهنات وسجال التحليلات، واختار ساعة الصفر لاستئناف مشاركته الوازنة عملياتيا والفاعلة تأثيرا، في التصدي للعدوان الأمريكي الصهيوني المتصاعد على الأمة الإسلامية والعربية، وإفشال أهدافه المعلنة.

نظريا، بدأ تنفيذ خطة فرض “شرق أوسط جديد” بالقوة، يتسيّده الكيان الصهيوني بلا رادع لإجرامه، ولصالح تحقيق أطماعه الإمبريالية المعنونة باسم “إسرائيل الكبرى الموعودة”، على حدودها المرسومة أمريكيا وصهيونيا والمطبوعة على بزات “جيش” الاحتلال وإحدى عملاته: “من النيل إلى الفرات ومن المحيط إلى الخليج”.

وفعليا، استئناف اليمن بقيادة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي، عملياته العسكرية الإسنادية لمحور المقاومة في فلسطين وقطاع غزة ولبنان والعراق وإيران، امتداد لقراره خوض “معركة الفتح الموعود والجهاد المقدس”. لكن اختيار اليمن التوقيت استباق وليس “انسياقا لارتباطات تبعية إيران” كما تروج له أبواق العدو.

الواقع، يؤكد أن اختيار التوقيت ونوع المشاركة، قرار يمني محض، وبقدر ما يراعي التزامات “الواجب الإنساني والأخلاقي والديني”، وحسابات “مجريات المعركة وتطوراتها”، وتزامنه مع اليوم الوطني للصمود؛ فإنه أيضا يستبق ما يحيكه العدو الأمريكي الصهيوني لليمن خصوصا والأمة عموما، من تحشيد عسكري معلن.

لا تخفي وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) وبالمثل الكيان الصهيوني النوايا العدوانية تجاه اليمن والمنطقة، وأعلنت بالفعل أنها “سترسل قوات إضافية إلى منطقة الشرق الأوسط”، ومع أنها زعمت إنه “لم يتحدد بعد أين ستتمركز”، إلا أن وجهة هذه القوات بطبيعة الحال لن تكون مضيق هرمز أو تنحصر فيه وحده.

تشي بهذا، التصريحات الأمريكية بأن عدد هذه القوات “لا تقل عن 10 آلاف جندي أمريكي”، ونوعها “قوات بحرية (مارينز) وفرقة مظلات ووحدات مشاة برية”، وتكشف عن تحضيرات لغزو واحتلال ما يتجاوز المشاع “مضيق هرمز” أو “جزيرة خارك” الإيرانية، ضمن الحرب النفسية للضغط على إيران.

عمليا، المعطيات الجيوسياسية لا تدعم “عملية غزو بري لإيران” من جهة العراق أو كردستان، وظلت تستبعد سيناريو اجتياح سواحل إيران للسيطرة على مضيق هرمز، بالنظر إلى الظروف الجيوعسكرية للمضيق، واستعدادات الجيش الإيراني، و”ارتفاع المخاطر والخسائر الحتمية” للقوات الغازية، باعتراف الأمريكيين أنفسهم.

لهذا، يظهر أن الاهداف الفعلية للتحشيد العسكري الأمريكي تتجاوز غاية “الضغط على إيران” للقبول بما يسمى “خطة السلام” الأمريكية، إلى فرضية التمويه على هدف استراتيجي أكبر للعدو الأمريكي والصهيوني، في هذه المرحلة تحديدا، يتمثل في “السيطرة على مضيق باب المندب وساحلي اليمن الغربي والجنوبي”.

تعزز معطيات عدة هذه الفرضية، منها: التحركات الصهيونية في أرض الصومال، والتحركات الأمريكية البريطانية الفرنسية الجارية منذ أكتوبر الماضي، لإعادة ترتيب التشكيلات المسلحة لفصائل تحالف العدوان السعودي الإماراتي، بإشراف السفير السعودي ورئيس “اللجنة الخاصة” للهيمنة على اليمن بمجلس الوزراء السعودي.

ومع أن هذه التحركات المُعلنة لتحالف الشر “الأنجلو-صهيوني”، ترفع شعار “تعزيز قدرات اليمن لتأمين الملاحة الدولية بمياهه الإقليمية”، إلا أنها لا تخفي هدف “نشر قوات دولية بامتداد الشريط الساحلي لليمن”، واتكائها في هذا المطمع على “شرعية” زائفة لقرار مجلس الأمن الدولي (2216) تحت البند السابع بشأن اليمن.

نظريا، هذا القرار المنتهك لسيادة دولة مستقلة، والمكمل لقرار اخضاع اليمن تحت الوصاية الدولية رقم (2140) بموجب البند السابع؛ فوض مجلس الأمن الدولي ونحو 22 دولة إقليمية وغربية ضالعة بملف اليمن، التدخل المباشر و”اتخاذ التدابير اللازمة لمنع تدفق الأسلحة إلى اليمن، ولتأمين الممرات المائية للملاحة الدولية” حد زعمه.

لهذا، فإن قرار اليمن، باستئناف عملياته العسكرية الإسنادية لمحور مقاومة العدو الأمريكي والصهيوني؛ يكتسب أهمية فارقة وتداعيات مُربكة جسدتها أصداؤه السابقة واللاحقة بمراكز دراسات ودوائر صنع قرار العدو الأمريكي الصهيوني، مثلما يكتسب قرار اليمن فاعلية حاسمة لمسار العدوان الأمريكي الصهيوني.

يترتب على القرار اليمني تضييق الخناق على العدو الأمريكي والصهيوني، المعتمد اقتصاديا على مضيق باب المندب والبحر الأحمر، أكثر من مضيق هرمز، بتعطيل الخطوط البديلة لإمداداته من النفط والغاز والسلع، وتبعا ارغام العدو على إيقاف عدوانه، وإحباط مخططاته الخبيثة وأهدافه الاستباحية لشعوب ودول المنطقة.

في المقابل، قرار اليمن بتأدية واجباته الإنسانية والأخلاقية والدينية في التصدي لمخططات العدو الخبيثة وأهدافه الاستباحية؛ له تداعيات وتبعات وخسائر وتضحيات، يمكن تقليلها بالاستفادة من الجولات السابقة، على مختلف المستويات، وفي مقدمها تعزيز جودة الدفاع المدني، بمهمات سابقة للغارات تعزز مهماته اللاحقة.

تستدعي التجارب السابقة وردود الفعل المتوقعة من العدو الأمريكي والصهيوني، وتجردهما من أي معايير إنسانية أو ضوابط قانونية؛ إخلاء أي مرافق قد تبرز ذات قيمة عسكرية للعدو، مهما صغرت أو كانت مدنية، وإيجاد مقرات وآليات عمل بديلة موازية وآمنة، وحصر الدوام في مؤسسات الدولة بحدود الضرورة القصوى.

وبمعرفة أن هذه الجولة من المعركة مفصلية في تحديد مصير نفوذ العدو وطغيانه، فإن هذا وبجانب الثقة بيقظة جميع أجهزة الدولة وتنامي وعي المواطنين؛ يفرض توقع كل ما لا يخطر على بال أحد، من ردود فعل عدوانية إجرامية للعدو الأمريكي الصهيوني، وتعاون أدواته الإقليمية والمحلية في الضغط والتشتيت.

عدا هذا، فإن قرار اليمن مما ليس منه بد، وبجانب التزامه بواجبات إنسانية وأخلاقية ودينية إيمانية، وارتكازه على منطلقات دفاعية مشروعة عن اليمن والأمة، فإنه يمتثل لقول الله تعالى: “كُتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم”. أما النصر فمن عند الله، ووعد به عباده المؤمنين المجاهدين في سبيله ولإعلاء دينه وقيم الحق والعدل والخير.