hajjahnews

حضرموت والمحافظات المُحتلة في مواجهة مشروع الهيمنة الجديد: تشخيص السيد القائد يرسم خريطة الأطماع والمواجهة

تقرير…

تشهد الجغرافيا الواسعة للمحافظات المحتلة في الشرق والجنوب اليمني، وخصوصاً حضرموت والمهرة، تحولات عميقة تجعل منها نموذجاً دراسياً للحظة التاريخية التي تمر بها البلاد. هذه التحولات تتجاوز بكثير إطار ما يسمى بالصراعات المحلية – وهي تسمية مضللة تروجها أدوات الاحتلال – لترتقي إلى مستوى المشروع المنظم الذي يطال أسس السيادة الوطنية. في هذا الإطار، يقدم تشخيص قائد الثورة السيد عبدالملك الحوثي الإطار النظري والتحليلي لفهم هذه اللحظة المعقدة، حيث يؤكد أن جوهر ما يحدث هو “عملية منهجية لتفكيك اليمن والاستحواذ على مقدراته، باستخدام أدوات من المرتزقة تقوم بتنفيذ أجندة قوى خارجية محددة”.

هذا التشخيص لا ينطلق من فراغ، بل يستند إلى قراءة دقيقة لتداخل عوامل الثروة النفطية والغازية الهائلة مع الموقع الاستراتيجي للمناطق المطلة على بحر العرب ومضائق الملاحة الدولية، مما يجعلها هدفاً مغرياً لأطماع إقليمية ودولية متعددة المستويات. التقرير التالي يحاول تعميق هذه القراءة عبر الربط العضوي بين الخطاب التحليلي للقائد والوقائع الميدانية المتكررة، سعياً لفهم الآليات التي يعمل بها مشروع الهيمنة هذا وآثاره على مستقبل الدولة اليمنية الموحدة.

تشخيص السيد القائد.. البوصلة لفك شفرة المشهد المعقد

لطالما شكل خطابات قائد الثورة السيد عبدالملك الحوثي بوصلة تحليلية لفهم تعقيدات المشهد اليمني، وفي قضية المحافظات المحتلة تحديداً، جاء تشخيصه دقيقاً وشافياً. حيث يرى أن “المشهد في حضرموت والمهرة هو مرآة تعكس حقيقة المشروع الأوسع الذي يستهدف اليمن ككل، وهو مشروع لا يهدف للسيطرة السياسية فقط، بل لتحويل اليمن إلى كيانات تابعة تفقد قرارها الوطني وتنقب عن ثرواتها لصالح الآخر”. هذا الكلام يجد صداه الميداني في سلسلة من الوقائع المترابطة التي تشير إلى نمط عمل ثابت.

فالسيطرة الفعلية على حقول النفط والغاز في مناطق المسيلة ودوعن وغيرها من الحقول في حضرموت وشبوة، لا تقتصر على الجانب الأمني، بل تتعداه إلى الجانب المالي حيث يتم تحويل العائدات النقدية عبر قنوات مصرفية معقدة إلى حسابات في بنوك سعودية، بحسب اعترافات عدد من مسؤولي حكومة المرتزقة على رأسهم عبدالعزيز جباري، الذي أكد أن السعودية أجبرت حكومة المرتزقة على توريد عائدات النفط إلى بنوك سعودية.

ويتسق هذا النمط تماماً مع ما حذّر منه السيد القائد عندما أشار إلى أن الثروة النفطية الهائلة هي “محل طمع للأمريكي، للإسرائيلي، للبريطاني، للسعودي، لتلك الأدوات”. فتحويل العائدات النفطية إلى بنوك سعودية ليس مجرد إدارة مالية، بل هو تجسيد عملي لآلية النهب المنظم، حيث تُستغل الأدوات المحلية لتحويل المورد الوطني إلى تمويل خارجي لمشاريع الهيمنة ذاتها، مما يحقق عدة أهداف للعدوان: حرمان اليمن من عصب اقتصاده، وتمويل مشاريع التقسيم والتبعية، وضمان استمرار تبعية تلك الأدوات عبر التحكم في تدفق الأموال.

أما البعد الآخر الذي أضاءه تشخيص السيد القائد، فهو الموقع الاستراتيجي، حيث أكد أن “الموقع الجغرافي المطل على بحر العرب، والمطل أيضاً باتجاه باب المندب والبحر الأحمر… على ممر من أهم الممرات المائية في العالم، هو من الأسباب التي تجعل أولئك الأعداء… يركّزون على السيطرة التامة على هذا البلد”. وهذا ما يفسر الوجود العسكري والأمني الأجنبي المكثف على السواحل اليمنية المطلة على هذه الممرات، وخصوصاً في المهرة وسقطرى، والذي لا يهدف إلى “حماية الملاحة” بل إلى السيطرة الفعلية على شريان الطاقة والتجارة العالمي، كجزء من المشروع الأوسع للهيمنة الإقليمية والعالمية.

وهكذا، فإن الربط التحليلي الذي يقدمه تشخيص السيد القائد بين ثروة اليمن النفطية وموقعه الاستراتيجي وبين أطماع القوى الخارجية وآلية عملها، يقدم الإطار الأكثر تماسكاً لفهم تعقيدات المشهد. فهو لا يفسر لماذا تُستهدف هذه المناطق بالذات فحسب، بل يكشف أيضاً الآلية التي تعمل بها قوى العدوان، حيث تُحوَّل الثروة والموقع إلى أدوات لتمويل وترسيخ التبعية، في دائرة مفرغة تهدف إلى تحويل اليمن من دولة ذات سيادة إلى فضاء مفتوح تنهب مقدراته وتُهندس إرادته من قِبَل قوى خارجية تستخدم أدوات محلية كواجهة تنفيذية لمشروعها الاستعماري الجديد.

التكتيك المكشوف: من التجييش إلى الاحتلال المباشر

يقدم تشخيص السيد عبدالملك الحوثي إطاراً تحليلياً حاسماً لآلية عمل قوى العدوان، حيث يؤكد أن “الأمريكي يعتمد على مسألة التجييش والتكتيك في مسألة تحريك الآخرين: قوى، حكومات، أنظمة، جهات”. هذا التشخيص يكشف الستار عن النموذج العملياتي الذي تقوم عليه جرائم السعودية والإمارات في المحافظات المحتلة. فما تروج له هذه القوى تحت شعارات “الدعم” و”الاتفاقيات” ليس سوى واجهة لمشروع احتلال ممنهج، تجسده تحركاتها العسكرية والاقتصادية كتدخلات سافرة وانتهاكات صارخة للسيادة اليمنية.

فالتحركات العسكرية السعودية والإماراتية لا تمت بصلة لأي شرعية، بل هي احتلال عسكري مباشر يتجلى في السيطرة على المطارات والموانئ الاستراتيجية. فالتحكم الإماراتي بمطار الريان وميناء نشطون في المهرة وتحويلهما إلى قواعد عسكرية مغلقة، والاحتلال السعودي لمعبر البطحاء وتحويله إلى أداة للعقاب الجماعي عبر إغلاقه المتعمد، يمثلان انتهاكاً صريحاً للسيادة الوطنية.

على المستوى الاقتصادي، يكشف نهب العائدات النفطية اليمنية وإيداعها في بنوك سعودية عن جرائم اقتصادية منظمة. فتحويل عائدات الثروة الوطنية إلى حسابات خارجية ليس “دعماً” بل هو استعمار مالي مكشوف، يهدف إلى تجفيف موارد الشعب اليمني وتمويل مشاريع التفتيت ذاتها. هذه الآلية تمثل استغلالاً سافراً للثروة الوطنية وتُدار من قبل أدوات محلية مجرد مرتزقة لا تملك أي شرعية في التصرف بمقدرات اليمن.

الأكثر إجراماً في هذا المشروع الاحتلالي هو تحول السعودية والإمارات إلى مهندسين للنزاعات بين أدواتهما المحلية. فتمويل وتأجيج ما يسمى بالصراعات بين اليمنيين في أبين وشبوة وغيرها ليس “وساطة” أو “حلولاً سياسية”، بل جريمة ضد الوحدة الوطنية تهدف إلى إدامة الفوضى وخلق بيئة تجعل القوى الخارجية محتلاً مفروضاً.

التحليل النهائي يؤكد أن النشاط السعودي والإماراتي بكافة أشكاله يفتقر لأي شرعية ويقع ضمن إطار جرائم الاحتلال والعدوان. فتحركاتهما العسكرية احتلال مباشر، وتدخلاتهما الاقتصادية نهب منظم، ومشاريعها السياسية جرائم ضد الوحدة الوطنية. هذا المشروع يمثل المرحلة الأخطر في العدوان على اليمن، حيث يتم تحويل الأرض والثروة والشعب إلى أدوات في آلة هيمنة تهدف لإلغاء الوجود الوطني المستقل تحت شعارات واهية.

العقل المدبر: أمريكا.. التخطيط الاستعماري والتنفيذ الإقليمي

يحدد تشخيص السيد عبدالملك الحوثي التسلسل الهرمي للعدوان بدقة، فيؤكد أن “العدوان الذي تشنه السعودية والإمارات هو مجرد الذراع التنفيذية، أما العقل المدبر والمصلحة العليا فهما للدول الكبرى وعلى رأسها أمريكا وبريطانيا، مع وجود مصلحة إسرائيلية واضحة في تفكيك اليمن والسيطرة على ممراته”. التحركات السعودية والإماراتية على الأرض ليست سوى تنفيذ حرفي لمشروع صُمم في عواصم القوى الاستعمارية التقليدية والحديثة.

فالوجود العسكري الأمريكي المباشر في المواقع الحيوية مثل قاعدة “بلحاف” في شبوة وجزيرة سقطرى، لا يمكن تفسيره بأي ذريعة قانونية أو أخلاقية. فهو خرق صارخ للسيادة الوطنية وتحويل الأراضي اليمنية إلى منصات عسكرية متقدمة لإدارة عمليات الهيمنة الإقليمية.

على الجانب الموازي، يعيد الدور البريطاني إنتاج نموذج الاستعمار الإداري الذي عرفه اليمن تاريخياً. برامج التدريب والتأهيل لأجهزة الأمن والاستخبارات التابعة لأدوات الاحتلال في عدن والمكلا، ليست مساعدة تقنية بل هي هندسة متعمدة لأجهزة حكم تابعة. إنها عملية بناء مؤسسي لدولة ظل، مصممة لضمان استمرار الهيمنة الخارجية بعد انتهاء العمليات العسكرية المباشرة، في محاكاة للنماذج الاستعمارية الكلاسيكية.

أما البعد الإسرائيلي، فيكشف عن التحالف الموضوعي بين المشروع الصهيوني وأدوات الهيمنة الإقليمية. التعاون الاستخباراتي والعسكري المعلن بين إسرائيل والإمارات، في ظل السيطرة الفعلية على الممرات اليمنية الاستراتيجية، يجسد تحالفاً عملياً لتحقيق أهداف متقاطعة. تحويل باب المندب إلى منطقة نفوذ خاضعة لهذا التحالف يمثل انتهاكاً متعدد الطبقات: للسيادة اليمنية، والأمن القومي العربي، والقانون الدولي.

التحليل الشامل يكشف أن المشروع الذي تستهدفه المحافظات المحتلة نموذج متكامل للاستعمار الحديث. الولايات المتحدة توفر الحماية الاستراتيجية والإشراف العسكري المباشر، بريطانيا تصمم البنى المؤسسية، إسرائيل تقدم الخبرة في إدارة الاحتلال الطويل الأمد. السعودية والإمارات، ليستا سوى المقاولين المنفذين لهذا التصميم الكبير. التركيبة لا تهدف إلى “حل أزمة”، بل تحويل اليمن إلى مختبر دائم لتقنيات السيطرة الإمبريالية الحديثة.

حضرموت: التجربة التي يُراد تعميمها

يكشف الربط بين المحاور السابقة أن ما يحدث في حضرموت والمحافظات المحتلة ليس حدثاً معزولاً، بل النموذج التطبيقي الأوضح لمشروع الهيمنة الشامل. كما يؤكد تشخيص السيد القائد، فإن “العدوان الذي نواجهه هو وحدة عضوية، تتنقل أدواته بين الجبهات ولكن بمنطق واحد وأهداف واحدة”.

فنموذج السيطرة الاقتصادية عبر احتجاز عائدات الثروة، الذي يُمارس في حضرموت بتحويل عائدات النفط خارج البلاد، يتكرر في مأرب حيث تحوَّل عائدات الغاز والنفط لتمويل هياكل محلية بعيداً عن الخزينة المركزية. ونموذج حرب الوعي عبر استهداف الرواية الوطنية الموحدة، الذي تمارسه وسائل إعلام تابعة للإمارات في عدن والمكلا، يقابله استهداف المنشآت الإعلامية الوطنية في صنعاء بالقصف المباشر.

كما أن نموذج إدارة الاحتلال عبر إنشاء هياكل موازية، يظهر في “الإدارات الأمنية” و”اللجان الاقتصادية” التابعة للإمارات في الجنوب، ويقابله إنشاء شبكات ولاء وإدارة موازية من قبل السعودية. وحتى استخدام الحاجة الإنسانية كسلاح، فكما تُستخدم معبر البطحاء في المهرة وميناء المكلا كورقتين للضغط، يُستخدم الحصار على موانئ الحديدة والصليف لنفس الغرض.

الأهم أن ما يُصور على أنه صراعات داخلية في حضرموت وأبين وشبوة ليس سوى تنافس بين أدوات الاحتلال السعودية والإماراتية على السيطرة على الثروات والمواقع الاستراتيجية. فالمجموعات المسلحة المختلفة ليست سوى مرتزقة تعمل بأمر من جهات خارجية، والصراع بينها هو في حقيقته صراع بين مشاريع الاحتلال المتعددة.

هذه التطابقات تكشف عن منهجية عمل واحدة قابلة للتطبيق في أي منطقة تمتلك ثروة أو موقعاً استراتيجياً. المشروع يعمل كخوارزمية ثابتة: تبدأ بالسيطرة على الموارد الاقتصادية، تليها محاولة تفكيك النسيج الاجتماعي والثقافي، وتنتهي بفرض هياكل إدارية موازية. حضرموت هي المختبر حيث جُربت هذه الخوارزمية، وما يحدث فيها اليوم قد يصبح نموذجاً لما قد يحدث في أي منطقة يمنية أخرى غداً.

رفض الهيمنة.. طريق السيادة والوحدة الوطنية

يخلص التحليل إلى أن التحدي الذي تواجهه اليمن في محافظاتها المحتلة يتجاوز كونه صراعاً محلياً أو أزمة داخلية. فهو تمظهر لمشروع هيمنة متعدد الأبعاد، تُخطط له قوى استعمارية في واشنطن ولندن وتل أبيب، وتنفذه أدوات إقليمية في الرياض وأبوظبي، باستخدام آليات متطابقة من السيطرة الاقتصادية والعسكرية والإدارية.

مواجهة هذا المشروع لا تكون بردود فعل تكتيكية مجزأة، بل بفهم استراتيجي لطبيعته العضوية. فالمقاومة في حضرموت والمهرة خط دفاع أول عن السيادة في كل اليمن، كما أن الصمود في صنعاء والحديدة حصن لحماية الثروة في كل المناطق. الوحدة الوطنية ليست شعاراً، بل شرط بقاء في مواجهة مشروع يعمل على تفكيك فكرة الدولة الوطنية.

الخيار الوحيد أمام اليمن هو رفض هذه المنهجية برمتها: رفض أي وجود عسكري أجنبي، ورفض السيطرة على الثروات، ورفض أي هياكل إدارية موازية. المستقبل الذي تصنعه المقاومة اليوم في الميدان، والوعي الذي يبنيه التحليل في العقول، هما الضمانة الوحيدة ليمنٍ يتحكم بمقدراته، ويصون سيادته، ويحمي وحدة أرضه وشعبه من مشاريع الهيمنة التي تختبر في حضرموت اليوم أدواتها لتطبقها في كل المنطقة غداً.