hajjahnews

مسيرات الاستقلال تؤكد أن الكلمة الأخيرة تبقى بيد الشعب

تقرير | وديع العبسي

لم يكن خروجاً غير مُتوقَّع، لكنه فاجأ المتربصين باليمن شراً. فاليمنيون ما يزالون في حالة الاستنفار المُقلقة والمُربِكة لمشروع إحكام السيطرة على اليمن وثرواته. أكدت مسيرات ذكرى الاستقلال بأن اليمنيين ما يزالون يعيشون الحالة الثورية، وقد تعاظمت مع ارتفاع مستوى الأخطار التي تحاول إجبار الداخل اليمني على تطبيع حياته مع حالة الشتات.

في مسيرات الأحد قال اليمنيون لا، وعلت أصواتهم بصورة استثنائية مؤكدة أن الاحتلال الجديد لا يمكن أن يستمر، وأن الشعب الذي هبَّ بكل عنفوان لمناصرة الشعب الفلسطيني على بُعد أكثر من ألفي كيلو متر، حاضر لإنهاء هذا الجمود في القضية اليمنية، حيث تعتصر أبناءَ الأرض ويلاتُ الحصار ونهب الثروات بلا أدنى معنى.

ويأخذ الواقع بُعدَه العبثي من إغراق اليمنيين -في المحافظات المحتلة- في ظروف قاسية تَنعدمُ فيها الخدمات، وقد كان بعض الواهمين يأمل أن يُحدث وجود المحتلين تحولات ملموسة في مستوى معيشة الناس وارتقاء الخدمات، فهُم الذين جاؤوا بشعارات وعناوين التمكين وتوظيف الثروات لـ”إحداث نقلات نوعية” في المناطق المحتلة بما يجعلها مواكبة لما عليه العالم، فجاءت النتيجة مزيداً من التأخر عن ركب العالم، وانعدمت أبسط الخدمات وتحولت اهتمامات الناس إلى البحث عما يسد حاجتهم من الغذاء والشراب.

تدهورت قيمة العملة، وعجزت دول الاحتلال عن تحريك عملية التنمية بما يضمن على الأقل استمرار تدفق مرتبات الموظفين، فيما صارت تلك المناطق أشبه بثكنات عسكرية، بأجواء حرب لم تغادر مدن المحافظات المحتلة منذ عشر سنوات.

نجح المحتل -بأدواته الجديدة- في إعادة قاعدة المحتل البريطاني القديم، فشتت المجتمع إلى فصائل وجماعات، ولكلٍّ أهدافه وطموحاته، وصارت قوى الاحتلال تدعم استمرار ما يتبع كلاً منها من هذه التكتلات، ليتبدد كل الجهد في صراعات بهدف فرض الهيمنة وتحقيق الصدراة.

وعلى ذلك يصير من الطبيعي أن يمر العقد الأول بينما كلٌّ لا يزال في مربعه يسبح، لا يستطيع مغادرته أو تجاوز حدوده شبرا واحداً، وسيبقى واقعهم يلعن نكرانهم لدماء الشهداء التي سالت من عزة، وكرامة الوطن وهذا الشعب الصبور.

عندما يصير أبناء الوطن وقوداً لمطامع المحتلين
خروج الأحد إلى الساحات الحرة حاول -بذاك الزخم- إعادة توجيه البوصلة إلى المسار الطبيعي الذي يقتضي أن تكون المناسبة فعلية تستذكر فصول الجهاد والنضال من أجل استقلال الوطن وتمكين الشعب من إدارة أموره وتوظيف إمكاناته في ما يعود بالنماء لهذا البلد. ولفت الاحتشاد المليوني إلى ثابتٍ أساسيٍّ وهو أنه ما تدخل أجنبي في تفاصيل الوطن إلا جعل أبناءه وقوداً لمطامع الطامعين في خيرات هذا البلد.

جاء الخروج المليوني بذاك الزخم ليؤكد بأن حالة الاستضعاف والنهب لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية، وأن الكلمة الأخيرة ستبقى بيد الشعب اليمني، فورثة الشهداء لن يسمحوا بحالة الاستباحة لمُقدَّراتهم من قبل طامعين في الثروة والجغرافيا.

بالأمس تقاسمت دول الاحتلال الجديد مناطق الثروة في المحافظات الجنوبية، ثم اتجه كلٌّ منهم إلى إزاحة الآخر في محاولة للاستفراد بالحصة الأكبر من الثروة، دافعاً بأبناء الأرض وأصحاب الثروة الحقيقيين للاقتتال بالنيابة، وسفك دمائهم من أجل رفاهية المحتل.

زعزعة الانتماء للوطن
منذ سيطر التحالف الأمريكي السعودي الإماراتي على مناطق يمنية جنوبية وشرقية، والفوضى تُرافق يوميات اليمنيين هناك بصورة مؤلمة، حيث تتسيَّد هذه الفوضى كل مناحي الحياة، حتى ليكاد المواطن اليمني يختنق من ثقل الهموم، والبحث عن ملاذ لاحتياجاته، وليكاد يختنق من ضيق مساحات الأمل في بلد ينعم بمظاهر التطور والحداثة، وقبل ذلك الأمن والاستقرار، وهو ما زعم المحتل يوماً بأنه سيعمل على تلبيته.

تجاوز المحتل بممارساته كل المحاذير والخطوط الحمراء، ويكاد يطمس هوية الشعب الأصيل الذي عرفه التاريخ ككتلة من القيم تأبى الضيم ومصادرة الحقوق وتأبى تشويه الهوية مهما كان. ولأن اليمني هو من الشعوب القليلة جداً التي ظلت محافِظةً على دينها وثقافتها وإرثها التاريخي والحضاري، تكالبت عليه النفوس الخبيثة والضمائر الميتة، في محاولة لفصله عن هذه الثوابت، فذهبت خلال العدوان على اليمن إلى احتلال أجزاء منه، بقصد تَمْرير مُخططها على هذه المناطق.

ولأن تَمْرير المؤامرة لم يكن بالسهولة التي تصوروها، إذ ظلت الفكرة والهوية اليمنية عصية على الانسلاخ عن أرضها، لجأ الأعداء إلى المحاولة والتجريب في ترويض المواطنين من خلال سياسات الإفقار والتجويع، ومصادرة الحقوق، والحرمان حتى من أبسط الخدمات.

ما يجري اليوم في العموم، من محاولات طمس الهوية أو زعزعة قيمة الانتماء للوطن بما يضعف الولاء والقيام بواجبات الدفاع عنه، هو ما يأتي في سياق مؤامرات الأعداء، وهذا أمر مؤكد تشهد به يوميات الاحتلال الذي لم يكتفِ بإغراق الشعب المحتل في دوامة الأزمات، وإنما قام بعملية نهب منظمة وصلت إلى الأشجار والأحجار. يؤكد المحلل السياسي والقيادي الجنوبي سمير المسني أن قوى “التحالف” ما زالت تفرض سياسة تعميق طمس الهوية اليمنية والانتماء إلى الوطن، بالإضافة إلى إشاعة الفوضى العبثية (انفلات أمني، تدهور للخدمات الأساسية، ارتفاع أسعار المواد الغذائية…. وغيرها) لغرض إلهاء المجتمع عن قضاياه المحورية المتمثلة بتوحيد الصف الجنوبي لمواجهة قوى الاحتلال والعدوان.

الالتحام في مسار واحد
لأجل ذلك ومع تفاقم استباحة الاحتلال للأراضي اليمنية وتحويلها إلى قواعد انطلاق لمؤامراتهم ضد الأمة، فضلاً عن نهب ما تكتنزه من ثروات، ظهرت مسيرات ذكرى الاستقلال بذاك الحضور الهادر، عن إدراكٍ بأن بَلْطَجَة أعداء الأمة المتوارين خلف بعض الأدوات في المنطقة قد طال عليها الأمد، وحان وقت إحقاق الحق وتأكيد صدقية التوجه نحو رفع راية الجهاد من أجل الدفاع عن الأرض وطرد المحتلين.

الخروج الهادر هو أيضاً مُحفِّز للقوى الوطنية من أجل الالتحام في مسار واحد لوَأْد محاولات الأعداء فصل أبناء الوطن عن شعورهم بحاجته للوفاء له، خصوصاً وأن الأسباب قد نضجت، فالمحتلون ظهر زيف وعودهم، وقد عاثوا ونهبوا، بل وبدأوا بمصادرة أراضٍ واعتبارها جزءاً من أراضيه كما هو الحال بالنسبة لجزيرة سقطرى. ناهيك عن المعيشة الضنكا التي صارت جزءاً من يوميات الحياة في المناطق الجنوبية المحتلة.