الإحسان الإداري (3): ﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾ حين تبدأ جودة الخدمة بفهم الحاجة

د. عبدالكريم أحمد الديلمي

دخل أحد المستفيدين إلى مؤسسة حكومية يحمل ملف معاملته، ويتطلع إلى إنجازها في وقت معقول. كانت زيارته الأولى، فلم يكن يعرف المكتب الذي يبدأ منه، ولا ترتيب الإجراءات، ولا المستندات المطلوبة.

وقف في صالة الاستقبال يتأمل اللوحات الإرشادية، ثم سأل أحد الموظفين عن وجهته، فأجابه سريعًا:

هذا ليس من اختصاصي، اسأل في المكتب الآخر.

انتقل إلى مكتب ثانٍ، ثم ثالث، وتلقى في كل مرة إجابة مقتضبة أو إشارة عامة لم تزد طريقه إلا غموضًا. لم تكن مشكلته في تعقيد المعاملة وحده، بل في أنه لم يجد من يتوقف لحظة ليفهم حاجته كاملة، ويحدد موضع التعثر، ويرشده إلى المسار الصحيح.

لاحظ أحد الموظفين حيرته، فاقترب منه وقال:

السلام عليكم، ما المعاملة التي تريد إنجازها؟ وإلى أي مرحلة وصلت؟

عرض المستفيد أوراقه، فراجعها الموظف، وحدد المستند الناقص، وشرح له نقطة البداية، وتسلسل المكاتب التي ينبغي أن يراجعها، ثم سأله:

هل اتضحت لك الخطوات؟

لم ينجز المعاملة نيابة عنه، ولم يتجاوز النظام أو الصلاحيات، وإنما قدم له ما كان يحتاج إليه فعلًا: سؤالًا يكشف حاجته، ومعلومة صحيحة، وتوجيهًا واضحًا.

وبعد مدة قصيرة استطاع المستفيد أن يكمل معاملته، وقال للموظف شاكرًا:

لم أكن أحتاج إلى معاملة خاصة، كنت فقط أحتاج إلى من يدلني على الطريق.

وهنا يظهر معنى مهم من معاني الإحسان الإداري.

فالإحسان في العمل لا يعني مخالفة النظام، أو تجاوز الإجراءات، أو منح بعض الناس ما لا يستحقون. كما لا يعني أن يتخلى الموظف عن مسؤولياته الأصلية ليتولى أعمال الآخرين. وإنما يعني أن يؤدي واجبه بأفضل صورة ممكنة، فيجمع بين صحة الإجراء، ووضوح المعلومة، وحسن التعامل، والقدرة على فهم الحاجة قبل تقديم الحل.

وقد يكون إرشاد المستفيد من صميم واجب الموظف أصلًا، لا عملًا تطوعيًا زائدًا عليه. لكن الإحسان يظهر في كيفية أداء هذا الواجب؛ فهناك فرق بين موظف يقدم إجابة مبهمة ليتخلص من السؤال، وموظف يصغي، ويستوضح، ويحدد موضع الحاجة، ثم يقدم المعلومة التي تختصر على المستفيد الوقت والجهد.

وفي هذا المعنى يلفت القرآن الكريم النظر إلى مشهد عظيم من قصة نبي الله موسى عليه السلام، حين وصل إلى ماء مدين، فوجد الناس يسقون، ورأى من دونهم امرأتين تمنعان غنمهما عن مزاحمة الرعاء.

قال تعالى:

﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ۖ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ۖ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ القصص: 23.

ثم قال سبحانه:

﴿فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ القصص: 24.

يكشف هذا المشهد عن تسلسل بالغ الدلالة: ملاحظة، ثم سؤال، ثم فهم للحاجة، ثم مبادرة إلى المساعدة.

لم يفترض موسى عليه السلام طبيعة المشكلة، ولم يتدخل قبل أن يعرفها، بل بدأ بسؤال موجز واضح:

﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾.

كان السؤال أول طريق الإحسان؛ لأنه نقل الموقف من مجرد ملاحظة الظاهر إلى محاولة فهم السبب. وبعد أن تبينت الحاجة، جاء الفعل:

﴿فَسَقَىٰ لَهُمَا﴾.

ومن هذا المشهد يمكن استلهام قيمة إدارية عامة، هي أن الخدمة الجيدة لا تبدأ دائمًا بالإجراء، بل تبدأ أحيانًا بالسؤال الذي يشخص الحاجة ويمنع تقديم حل غير مناسب.

فالسؤال الإداري ليس مجرد عبارة ترحيبية، وإنما أداة لفهم المستفيد. والسؤال الجيد لا يكتفي بقول: ماذا تريد؟ بل يساعد على تحديد موضع التعثر، مثل:

ما الخدمة التي تريدها؟

إلى أي مرحلة وصلت؟

ما المعلومة التي لم تكن واضحة؟

هل استوفيت المتطلبات؟

هل فهمت الخطوة التالية؟

هذه الأسئلة لا تعقد الخدمة، بل تمنع الافتراض، وتقلل الأخطاء، وتساعد الموظف على تقديم الإرشاد المناسب من المرة الأولى.

أما مفاهيم الإدارة الحديثة، مثل الخدمة الاستباقية، وتجربة المستفيد، وتقليل جهد المراجع، فهي اجتهادات بشرية معاصرة تهدف إلى تحسين الخدمات، ويمكن أن تتوافق في تطبيقاتها مع هذه القيمة، من غير أن يقال إنها مستمدة مباشرة من الآية.

وتقوم الخدمة الاستباقية على ألا تنتظر المؤسسة حتى تتحول الحيرة إلى شكوى، بل ترصد إشارات التعثر مبكرًا. فالمستفيد الذي يقف طويلًا أمام اللوحات، أو ينتقل بين المكاتب، أو يعيد السؤال نفسه، يكشف عن خلل في وضوح مسار الخدمة، حتى لو كانت الإجراءات مكتملة من الناحية الشكلية.

وهنا لا يقتصر الإحسان الإداري على السلوك الفردي للموظف، بل يمتد إلى مسؤولية المؤسسة نفسها.

فالإحسان الفردي أن يلاحظ الموظف حاجة المستفيد، ويسأله، ويقدم له معلومة صحيحة، ويتأكد من أنه فهمها.

أما الإحسان المؤسسي فهو أن تصمم المؤسسة خدماتها بحيث تقل حاجة المستفيد إلى السؤال من الأصل.

ويتحقق ذلك من خلال ثلاثة أمور رئيسة:

أولها: وضوح المعلومات، عبر تعليمات دقيقة، ومنصات محدثة، ومتطلبات معلنة بلغة مفهومة.

وثانيها: سهولة مسار الخدمة، من خلال تقليل التحويلات غير الضرورية، وتبسيط النماذج، وربط الأقسام، وتحديد نقطة بداية واضحة لكل معاملة.

وثالثها: جاهزية موظفي الصفوف الأمامية، بتزويدهم بالمعلومات المحدثة، وتدريبهم على اكتشاف الحيرة، وطرح الأسئلة المناسبة، وتقديم الإرشاد الموحد.

فالمؤسسة المحسنة ليست التي تعتمد على وجود موظف استثنائي ينقذ المستفيدين كلما ضلوا الطريق، بل التي تجعل الطريق واضحًا للجميع، ثم تهيئ موظفيها للتدخل حين تظهر حاجة لا تغطيها الإجراءات المعتادة.

ومن هنا فإن عبارة: ليس من اختصاصي، لا ينبغي أن تكون نهاية الحديث مع المستفيد.

قد يكون إنجاز الطلب خارج صلاحية الموظف فعلًا، لكن ذلك لا يمنعه من تقديم التوجيه الصحيح، كأن يقول:

هذا الإجراء من اختصاص القسم الفلاني، ويمكنك الوصول إليه من هذا المسار، وهذه هي المتطلبات الأولية.

فالاختصاص يحدد من ينجز المعاملة، لكنه لا يمنع من تقديم المعلومة الصحيحة. والإحسان المنضبط لا يربك التسلسل الإداري، ولا يحمل الموظف ما لا يطيق، وإنما يمنع أن يتحول توزيع الاختصاصات إلى دوامة يدور فيها المستفيد بين المكاتب.

ولكي يصبح هذا المعنى ممارسة مؤسسية، لا يكفي توجيه الموظفين إلى حسن التعامل، بل ينبغي قياس جودة الإرشاد نفسه.

ويمكن للمؤسسة أن تتابع مؤشرات مثل:

§ نسبة المستفيدين الذين وصلوا إلى الجهة الصحيحة من أول إحالة.

§ عدد مرات انتقال المستفيد بين الأقسام قبل الوصول إلى الخدمة المطلوبة.

§ نسبة المعاملات المعادة بسبب نقص المعلومات أو المستندات.

§ أكثر الأسئلة تكرارًا في صالات الاستقبال والمنصات الإلكترونية.

فهذه المؤشرات تكشف مقدار الجهد الذي تبذله المؤسسة، ومقدار الجهد الذي تضطر المستفيد إلى بذله.

ويمكن للمدير أن يطرح عند تقييم الخدمة سؤالًا بسيطًا لكنه عميق:

كم جهدًا يبذله المستفيد حتى يفهم ما نطلبه منه؟

فكل خطوة غامضة، وكل معلومة متضاربة، وكل إحالة غير ضرورية، تزيد مشقة المستفيد، حتى لو بدت الخدمة مكتملة في التقارير والنماذج.

إن اللوائح الجيدة لا تكفي إذا لم تكن مفهومة، والتقنية الحديثة لا تحقق غايتها إذا نقلت التعقيد من المكتب إلى الشاشة، والالتزام الحرفي بالإجراء لا يمثل جودة حقيقية إذا كانت طريقة تطبيقه تزيد الارتباك.

إن جودة الخدمة تبدأ من رؤية الإنسان خلف المعاملة؛ فالملف الذي ينتقل بين المكاتب ليس مجموعة أوراق صامتة، بل وراءه شخص قد يكون كبيرًا في السن، أو مريضًا، أو قادمًا من مكان بعيد، أو مرتبطًا بموعد، أو لا يعرف لغة الإجراءات الإدارية.

ولهذا قد يكون السؤال الصادق: ما حاجتك؟ أكثر أثرًا من تعليمات كثيرة؛ لأنه يكشف موضع التعثر، ويعيد توجيه الخدمة نحو غايتها الحقيقية.

لقد جاء موسى عليه السلام إلى مدين غريبًا خائفًا محتاجًا، ومع ذلك لم تمنعه حاله من ملاحظة حاجة غيره، والسؤال عنها، وتقديم ما يستطيع من عون. ويبعث تسلسل القصة على التأمل في أن فعل الخير قد يكون بداية لتحولات لا يحيط الإنسان بمآلاتها، وأن المعروف لا يضيع عند الله.

إن المؤسسات لا تبقى في ذاكرة الناس بلوائحها ومبانيها وأنظمتها الإلكترونية فقط، بل تبقى أيضًا بالمواقف التي وجدوا فيها من يفهم حيرتهم، ويحفظ كرامتهم، ويدلهم على الطريق.

وهكذا يبدأ الإحسان الإداري أحيانًا من سؤال صغير:

﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾.

غير أن الإحسان لا يكتمل بمجرد المبادرة والسؤال؛ فالمعلومة قد تكون واضحة، والنية قد تكون حسنة، لكن الخدمة تظل ناقصة إذا كان التنفيذ ضعيفًا أو مضطربًا.

ومن هنا ننتقل في المقال التالي إلى بُعد آخر من أبعاد الإحسان الإداري: الإتقان؛ فليس الإحسان أن نبدأ العمل فحسب، بل أن نؤديه بالدقة التي تحقق غايته، وتحفظ جودته، وتصنع أثره.