عبدالحافظ معجب
العجز العسكري الذي مُني به تحالف العدوان على اليمن طوال السنوات الماضية، دفعه إلى نقل المعركة من الميدان المباشر إلى مربع الحروب الجديدة التي تعمل على غسيل الأدمغة وتزييف الحقائق، حيث تتجاوز أهداف هذا النوع من الحروب ضرب معسكر أو مدينة إلى ضرب الثقة الداخلية وزرع الشك في تفكير ومشاعر المواطن، عبر تحويل القضايا الجنائية والشخصية إلى معارك رأي عام وهمية تخترق النسيج الاجتماعي وتصنع الانقسامات العبثية، في وقت نحن بأمسّ الحاجة فيه إلى رص الصفوف.
ما نتابعه من ضجيج مفتعل حول قضية الفتاة التي تدعي نسباً لا يمت للواقع بصلة، وما تلا ذلك من تحركات مريبة لبعض الشخصيات المشبوهة التي ارتمت سريعاً في أحضان اللجنة السعودية الخاصة، يكشف عن خيوط اللعبة القذرة التي تُدار من داخل الرياض، بهدف اختطاف الوعي القبلي الأصيل وتوظيفه لخدمة أجندة الحصار.
لقد تحولت قضية سبق أن فصل فيها القضاء اليمني إلى قميص عثمان لتبرير التمرد وقطع الطرقات ونهب ممتلكات المغتربين اليمنيين وممارسة الحرابة وأعمال السلب والنهب واذلال المسافرين وعابري السبيل.
الخطير في الأمر هو الانتقال السريع من القضية الشخصية المنتهية أصلاً إلى ممارسة الحرابة في صحراء الجوف، ولا يختلف اثنان في أن إقامة القطاعات المسلحة وتفتيش المسافرين والمغتربين العائدين إلى أرض الوطن وإذلال التجار ومصادرة المقتنيات الشخصية، وتفتيش الهواتف بناءً على اعتبارات مناطقية، تصرفات دخيلة تكشف الوجه الحقيقي لمن يقفون وراء هذه الفتنة.
هؤلاء الذين غادروا مربع الوطن ليلتحقوا بمعسكرات التمويل الخارجي يمارسون علناً دور الجلاد المحلي الذي يعيد إطباق الحصار على المواطن اليمني نيابة عن الطائرات التي توقفت وحاملات الطائرات التي انسحبت.
يحاول الإعلام الموجه التابع لدول العدوان وبعض الأبواق الموالية للرياض غمر مواقع التواصل الاجتماعي بمئات القصص والفيديوهات المفبركة حول هذه القضية بالذات، هذا التكثيف المتعمد لا يهدف إلى نصرة امرأة أو إظهار الحقيقة، بل يسعى إلى صناعة غشاوة تمنع المجتمع من رؤية المخطط الأكبر المتمثل في خنق العاصمة اقتصادياً وإنسانياً عبر قطع الشريان البديل الوحيد المتبقي للمسافرين والبضائع.
إنهم يلعبون على العاطفة والشهامة اليمنية لتمرير جريمة يندى لها الجبين ولا يتشرف بها إنسان، ويحاولون تصوير المجرم وقاطع الطريق في صورة البطل المظلوم.
أمام هذا المنزلق الخطير تقع المسؤولية الكبرى على عاتق حكماء وعقلاء القبائل اليمنية في مناطق الجوف ومأرب وكل المحافظات اليمنية، الذين يعلمون أن العُرف القبلي الذي بناه الأجداد يقوم على تأمين الخائف وحماية عابر السبيل، وما يحدث في الصحراء اليوم هو بمثابة العيب الأسود الذي يلطخ كل من يشترك فيه أو يصمت عنه، لذا يجب على القبيلة اليمنية أن تعلن براءتها المطلقة من هذه الأعمال الصبيانية والارتزاق المفضوح وأن تقف سنداً للدولة والقانون لحماية الخطوط العامة وتأمين حياة الناس.
البصيرة تفرض علينا ألا ننجر وراء ما يريده لنا العدو السعودي من اقتتال داخلي وتلاسن عقيم حول شائعات وقصص درامية هابطة، فالمرجعية الأولى والأخيرة لحفظ الحقوق والأنساب والممتلكات هي القضاء والمؤسسات الرسمية وأي محاولة للالتفاف عليها بحجج قبلية أو مظلوميات مصطنعة تعتبر دعوة صريحة للفوضى ومحاولة للتفجير من الداخل، ومعركتنا الحقيقية هي معركة وعي ويقظة تفكك مقاصد العدو وتفضح أدواته.
