أكرم عقلان الجرادي
في زمننا المعاصر الذي ضاعت فيه المعايير، وانقلبت الموازين، واختبطت القيم، وسُلِّمت فيه أمور البشر للبشر، وَعُبّدت المادة، أراد الله إتمامَ نوره ولو كره الكافرون بأن تبرز من أعماق التاريخ شعلةٌ لا تنطفئ، ونداءٌ لا يخفت صداه، ودرسٌ لا تبلى عبرة، وبذرةٌ تُجنى ثمارها اليوم كصحوة في ضل التيه الذي تعاني منه الأُمَّــة.
إنها واقعة كربلاء، وما أدراكَ ما واقعة كربلاء.
لا يمكن للعين البصيرة أن ترى كربلاء مُجَـرّد معركة سياسية فاشلة، ولا يمكن للقلب الواعي أن يختزلها في إطار مأساة إنسانية مؤثرة فحسب.
كربلاء، في جوهرها الفلسفي، هي الترجمةُ العمليةُ الخالدة لسلسلةِ التدبير الإلهي في حفظ دينه.
إنها تتويجٌ لسلسلة من السنن، وإعلان صارخٌ بأن الحق لا يُقاس بالغلبة، بل بالثبات عليه والتضحية في سبيل الله.
وقد مَنَّ اللهُ علينا بشهيد القرآن الشهيد القائد السيد الحسين بن بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه الذي ألهمنا المعادلةَ الصحيحة للفَهم الحقيقي والعميق لواقعة كربلاء في زمن السطحية والضلال.
فبيَّنَ -رضوان الله عليه- الزوايا الصحيحةَ التي يجب أن ننظُرَ منها إلى واقعة كربلاء واستشهاد الإمام الحسين عليه السلام، فلا ننظر إليه بالنظرة العاطفية البحتة ولا من سياقها التاريخي الضيق، بل أن نضعها في مكانها الصحيح.
إنها الحلقة التي تكشف خيوط المؤامرة، وتفضح الأقنعة، وتعيد تعريف النصر والهزيمة إلى الأبد.
إنها الصدام الحتمي بين خَطَّينِ سارا معًا منذ أن خلق الله الأرض: خط الحق وإقامة الحياة وفقًا لتوجيهات الله ممثلًا في الحسين بن علي (ع)، وخط الباطل والأهواء والمُلك والجبروت ممثلًا في يزيد بن معاوية.
الجذور العميقة: صراع المبادئ لا صراع الأشخاص
من خلال التعمُّق في التاريخ والربط بالسنن الإلهية، نجد أنه لم ينشأ العداءُ بين آل البيت وبني أمية في كربلاء؛ لأنه صراع جذوري يعود إلى ما قبل الإسلام.
إنه صراع بين قيم “هاشم” القائمة على السِّقاية والرفادة وخدمة الإنسان، وقيم “أمية” القائمة على الجشع وحب الرياسة.
ظل هذا الصراع دفينًا، حتى إذَا ما بُعث النبيُّ محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وأكمل اللهُ تعالى به دينه، وشاءت حكمة الله في اصطفاء أمته من بعده، ووضع عز وجل نظامَه السياسي الرباني لتسيير النظام السياسي للأُمَّـة في أداء تلك المهمة والذي أعلن في يوم الغدير بأن الإمامَ علي بن أبي طالب (عليه السلام) إمامًا وهاديًا لهذه الأُمَّــة في حمل مهمة الاصطفاء، فاعتقد البعضُ أن منطقَ السماء قد انتصر.
ولكن الأهواء البشرية والنزعة القبلية الجاهلية بعثت هنالك وكانت لها كلمة أُخرى.
وفي لحظة انحراف مصيرية، وتحديدًا في سقيفة بني ساعدة، تعالى منطقُ الهوى والمادة على منطق النص والوحي، وهناك، استُبدلت الإمامةُ الإلهية ـ القائمة على أَسَاس المهام الإلهية العظيمة والأسس القرآنية ـ بالخلافة البشرية المتأرجحة القائمة على أَسَاس المادة البحتة، وهنالك دخلت الأُمَّــة في نفق التيه الطويل.
كانت هذه هي الفرصة التاريخية التي انتظرها حفدة أمية ليُخرجوا دفين أحقادهم وطموحاتهم المتوارثة، التي جسّدها ما رواه أصحاب السيرة أن أبا سفيان يوم فتح مكّة عندما قال بكل صراحة للعباس بن عبدالمطلب: “إنه لمُلك ابن أخيك” الذي أظهر خفايا قلبه وَتكشفت معه العقلية الأموية بشكل عام والذي تطورت تباعًا بعد أعلنوا إسلامَهم بوضوح عندما حوَّلوا مسارَ الإسلام من رسالة إلهية لحمل الدين، إلى دولة ومُلك وجاه.
وتحور مفهوم الخلافة من تكليفٍ إلهي لمهامَّ عظيمة، إلى مُلكٍ يُتوارث.
يزيد.. ذروة الانحراف وجوهر الخطر
على طول عقود، تمت رعاية هذا المشروع الملكي المنحرف فبدأ عمر بن الخطاب بزرع بذرة ذلك الانقلاب بتوليتِه معاويةً على الشام، وضاعف ذلك عثمان بن عفان الأُموي الذي سقاها حتى استفحلت.
وعندما استلم معاويةُ الحكمَ، لم يعد الأمر خلافًا حول الأحقية، فقد أصبح انقلابًا كاملًا على جوهر الدين، فاستغلَّ ما مُنِحَ له من رقاب الأُمَّــة في الشام لغرس أَسَاسات الشر وسن سنن الضلال؛ تأسيسًا لمداميك دولة بني أمية التي ترى في بيت المال وسطوة السيف مصدرَ الشرعية الوحيد، وهو ما تنبه له الإمامُ علي عليه السلام قبل توليه الخلافة وأعلن الجهادَ عليه.
ولكن الخطر الحقيقي هنالك كان متسترًا في لبس ثوب الدين ورفع المصاحف على الرماح ولم يتجسد الخطر الظاهر إلا في عهد ابنه يزيد الذي فقد حرص آباؤه على التستر بالدين ليبنيَ بطيشه وضلاله تتويجًا لهذا الانحراف، وكان إعلانًا صريحًا بالكفر.
رجلٌ متظاهر بالفسق والمجون، يلعب بالقرود، ويشرب الخمر، ويقول بكل عنجهية: “لعبت هاشم بالمُلك.. فلا خبر جاء ولا وحي نزل”.
وهنا، لم يعد التهديدُ موجَّهًا لموقع سياسي، أَو نزعات قبلية أَو أحقاد دفينة، فقد تعدى لأصل الدين وتحليل المحرَّم، وهنا جاءت إرادَة الله تعالى بحفظ دينه ومسار أمته وبرز دور الإمام الحسين (عليه السلام الذي لو كان بايع يزيد ولم يثُر ثورته ضد الباطل، لتم إضفاءُ الشرعية الإلهية على رمز الكفر، ولانتهى الإسلام روحًا وجوهرًا.
وهنا، وفي هذه اللحظة الحرجة، تجلَّت حكمة الإمام الحسين.
فلسفة الثورة: إنقاذ للدين لا طلبًا للمُلك
حين خرج الإمامُ الحسين (ع) من مكة إلى الكوفة، كان يعلن بكل وضوح فلسفة ثورته: “لم أخرج أشِرًا ولا بطِرًا.. إنما خرجت لطلب الإصلاح في أُمَّـة جدي”.
إنها ثورة إصلاحية، تهدف إلى إعادة البُوصلة إلى مسارها الصحيح.
لقد كان يرى أن الأُمَّــة التي كانت مرشَّحةً لحمل رسالة السماء للعالمين، قد أصبحت غارقة في تِيه الانحراف.
كربلاء لم تكن بحثًا عن سلطة ضائعة كما يروِّج له علماء السوء عبر التاريخ، فقد كانت عملية إنعاش لمسيرة دينٍ كاد أن يموت.
لقد وقف الحسين (ع) وحيدًا مع أهل بيته وأصحابه الأوفياء في مواجهة آلة الموت الأموية.
كان يعلم أن النصر العسكري مستحيلٌ بموازين الأرض، ولكنه كان يوقن بأن النصرَ الإلهي آتٍ لا محالة، ولكن عبر بوابة الدم لا السيف.
التدبير الإلهي: كيف حوّل اللهُ الدماءَ إلى نصر؟
هنا يكمن جوهر فلسفة عاشوراء.
كَثيرًا ما يُسأل: لماذا لم ينصر الله الحسين وهو على كُـلّ شيء قدير؟ والجواب المهيب هو: لقد نصره بأعظم مما نتوقّع.
لم تكن الحكمةُ الإلهية تقتضي نصرًا عسكريًّا آنيًّا؛ لأن ذلك كان سيجعل من الحسين مُجَـرّد ملكٍ انتصر على ملك.
لقد أراد الله تعالى أن تكون كربلاء درسًا أبديًّا، وهزّة ضمير لا تفيق منها الإنسانية إلى يوم الدين.
في كربلاء، حوّل اللهُ المأساةَ إلى منارة، والهزيمة الظاهرية إلى نصر استراتيجي خالد.
بدم الحسين (عليه السلام)، انكشف الباطلُ على حقيقته إلى الأبد.
لم يعد أحد يستطيع أن يقرأ التاريخَ ولا يقف موقفًا.
لقد صارت كربلاء هي “الفُرقان” المُستمرّ، المختبر الذي يُسأل فيه كُـلّ جيل ويغربل عبر معيار الحق والباطل: مع من كنتم؟ مع الحسين أم مع يزيد؟
كُـلّ قطرة دم سالت في الطفوف تحولت إلى شعلة ضمير، وكل صرخة طفل وامرأة تحولت إلى مسمار في نعش المشروع الأموي.
كان يمكن أن يموت الإسلام كقيم ومبادئ، لولا أن الحسين (عليه السلام) فدى بنفسه في أَتون الموت ليحيا الدين.
لقد انتصر “خط الحق” القائم على التضحية، واندحر “خط المُلك” القائم على الجبروت.
لقد أراد الله أن يبقى صوتُ المظلومية والكرامة مدويًا في أرجاء التاريخ: “هيهاتَ منا الذلة”.
عاشوراء مشروع وعي
اليوم، ونحن نحيي ذكرى عاشوراء، نستلهم مشروعًا للوعي.
إن الحرب الناعمة سواء التي تشنها جيوش التضليل والتحريف أَو ما تراكم من التضليل والتحريف وإخفاء الحقائق عبر مسار التاريخ، تحاول أن تفصلَ كربلاء عن سياقها، أن تجعلها طقسًا لا درسًا.
ولكن الحقيقة الأبدية هي أن كربلاء هي خارطة الطريق.
إنها تؤكّـد لنا أن الباطلَ مهما بلغ من جبروت، ومهما امتلك من إضلال وقوة، فهو إلى زوال.
لقد انتصر الحسين؛ لأنه اختار الله؛ ولأن الأرواح الحرة لا ترضى بالدنية.
وكما كانت كربلاء إيذانًا ببداية نهاية المشروع الأموي، فإن استلهامَها اليومَ هو إيذانٌ بصحوة الأُمَّــة من تِيهها الطويل، لتستأنف مهمتَها المقدَّسة في حمل راية الهدى للعالمين، ومعيارٌ للتفريق بين مسار الحق وَمسار الباطل.
فالسلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أصحاب الحسين، يوم ولدوا، ويوم استشهدوا، ويوم نلقاهم أحياءً.
